حياة ماو تسي تونغ*

قائد الثورة الصينية و قاهر التحريفية المعاصرة.  

 

"إن معرفة الرجال الذين تكوًن تفكيرهم و إرادتهم إبان الانقلابات الكبيرة ترفعنا"[1]

 

 

الجــــزء الأول:

الشاب ماو ثائر في عالم هائج.

    

 1 – ولد ماو تسي تونغ في 26 دجنبر 1893 في شاوشان، وهي قرية صغيرة في إقليم خونان. وقد كانت الصين في تلك الفترة مجتمعا قاسيا بالنسبة للجماهير الشعبية إذ كانت خاضعة للقوى الامبريالية الأجنبية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى، التي تستغل الشعب، جانية الأرباح من التجارة، وباعثة إليها بجيوشها لحماية بنوكها وشركاتها وتدجين الجماهير. فالبريطانيون خصوصا، أغرقوا الصين بالأفيون وتحدوا الصينيين خلال حربي الأفيون( 1840-1842 و1856-1860) حيث خضع الملايين من الصينيات والصينيين لتأثير هذا المخدر، الذي أغنت تجارته الرأسماليين البريطانيين والأمريكيين. إذ استوردت الصين سنة 1838 أكثر من  مليوني كيلوغرام من الأفيون في السنة مما يعادل ما لا يقل عن%57  من مجموع الواردات الصينية.

     إن كُل من بريطانيا العظمى وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا القيصرية و ألمانيا واليابان قد سيطرت الواحدة بعد الأخرى على الصين، ماسة بذلك مصالح الصينيات والصينيين، بحيث تحكمت في الحياة الاقتصادية والسياسية للبلد، ضاربة الثقافة الوطنية. كما استعمل الإمبرياليون قوة عمل الملايين من الصينيات والصينيين  الذين جُنّدوا ونقلوا ليستغلوا بشدة في المناجم والمزارع الكبرى عبر العالم. كما وقَّعت الحكومات  الصينية في العديد من المرات معاهدات غير متكافئة تسلم من خلالها مواقع كاملة من التراب الوطني والتزمت بعدم المس بمصالح القوى الإمبريالية عندما تسن قوانين لا تخدمها. وفي نهاية القرن19، كانت الصين في الواقع مجزأة إلى عدة قطع تخضع لمختلف القوى الأجنبية. لتعلن الولايات المتحدة سنة 1899 سياستها المسماة ب " الأبواب المفتوحة" تعترف من خلالها بوجود  "مناطق نفوذ" مختلفة في الصين، وتدعي منح "فرص متساوية" لكل القوى الامبريالية التي ترغب في الاستحواذ عليها. وقد استولى الجنود الأجانب بصورة خيالية على كل المدن الصينية الكبرى، عندما كان ماو لا يزال طفلا، بما فيها شانغشا shangsha)) عاصمة خونان. حيث سيطرت السفن الحربية البريطانية والأمريكية بالتدريج على الطرق الملاحية، وتحكمت القوى الأجنبية في المطارات والنظام البريدي والملاحة والسكك الحديدية و التيليغراف.

 

2– في العقود التي تلت ولادة ماو تسي تونغ، حصلت انتفاضات عدة ضد السيطرة الأجنبية. وقد درس ماو منذ بداية شبابه مسألة انتفاضة الفلاحين، مثل حرب التايبينغ التي جرت بين 1850 و 1864. حيث حملت الفلاحات والفلاحون آنذاك السلاح وأقاموا حكومة ثورية في نانكينغ. ودك المشرَّدون النظام الإقطاعي للملكية، وبدأوا يعارضون أسس الثقافة الرجعية السائدة آنذاك. لكن حكومة مانشو (Mancho)  ( من السلالة الحاكمة لشينغ، التي يتزعمها الامبراطور) وبمساعدة الولايات المتحدة وبريطانيا/ وفرنسا أرسلت الجيوش لقمع الانتفاضة. وقد كان تدخل الحكومة سريعا وعنيفا: خلف أكثر من 20 مليون قتيل قبل أن يتم وضع حد لـ "انتفاضة تايبينغ".

كما تعرف ماو كذلك على حركة ييهوتوان (Yihotouan )  أو انتفاضة الملاكمينBoxers)) مع بداية القرن العشرين. هذه الحركة التي انطلقت بمبادرة "جمعية القبضات الباسلة و المتناسقة" ،التي كانت تعارض السيطرة الأجنبية على الصين وخصوصا المبشرين المسيحيين الذين  يلعبون دورا مركزيا في تقوية سيطرة القوى الكبرى ،تحت حماية الحكومات الأجنبية والمعاهدات والامتيازات التي أعطيت لهم. وقد تم القضاء على انتفاضة الملاكمين من طرف التحالف المشكل من طرف الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وفرنسا و الامبراطورية الاسترو-هنغارية، وروسيا واليابان وإيطاليا وألمانيا. التي تدخلت لدعم السلطات الصينية.

        «إن الانتفاضات الفلاحية والحروب الفلاحية التي شهدها تاريخ  الصين كانت ذات نطاق واسع لا مثيل له في تاريخ العالم. عن هذه الصراعات الطبقية وهذه الانتفاضات والحروب التي خاضها الفلاحون وهي وحدها القوى المحركة لتطور التاريخ والمجتمع الصيني الإقطاعي. ذلك أن كل انتفاضة أو حرب فلاحية كبيرة قد انتهت بأن وجهت ضربة للحكم الإقطاعي القائم في زمنها، وبالتالي دفعت إلى درجة ما، نمو القوى المنتجة الاجتماعية. ولكن نظرا لانعدام قوى منتجة جديدة وعلاقات إنتاج جديدة وقوى طبقية جديدة وحزب سياسي طليعي في تلك الأيام، لم يكن في إمكان تلك الانتفاضات والحروب الفلاحية أن تحصل على قيادة صحيحة كالقيادة التي تقدمها اليوم البروليتاريا والحزب الشيوعي، ولذلك فقد انتهت جميع الثورات الفلاحية إذ ذاك بالفشل، واستطاع الملاكون العقاريون والارستقراطيون استخدامها في كل مرة، في مجرى الثورة أو بَعدها كأداة لاستبدال أسرة ملكية بأخرى، وهكذا فعلى الرغم من حصول المجتمع على كثير أو قليل من التقدم في أعقاب كل صراع ثوري واسع النطاق يخوضه الفلاحون، فإن العلاقات الاقتصادية الإقطاعية والنظام السياسي الإقطاعي بقيت على حالها في الأساس." [2]

       

3 – شكلت الصين عند بداية القرن العشرين، المكان الذي ساد فيه الفقر المدقع، الأزمة الأكثر دناءة و كذلك الأمراض. ففي المدن، كانت الجماهير تصارع ضد الأفيون، و الكوليرا، و الزهري و السيفيليس كما أن العديد من الفضلات كانت تٌُلقى دون معالجة، و كذلك نظام القنوات. لكن الحياة في البوادي كانت أكثر سوءًا. فالساكنة القروية كانت في معظمها من الفلاحين الفقراء و العمال الزراعيين الذين لا يستلمون إلا أجرا زهيدا من طرف الملاكين العقاريين، و الفلاحين الأغنياء، والموظفين الذين يمتلكون أغلبية الأراضي و يكرسون فقر الفلاحين و جوعهم و ديونهم. مما دفع العديد من العائلات إلى بيع أبنائها نظرا لعجزها عن ضمان شروط عيشهم.

و قد لجأ النظام الإقطاعي المتوحش السائد آنذاك إلى الايديولوجيا الأكثر تسلطا المبنية على تعاليم كونفوشيوس لإيجاد شرعيته. هذه الايدولوجيا التي تهدف قبل كل شيء إلى قمع ظهور أية فكرة جديدة و دفع الشعب إلى القبول بوضعه، إذ تعتبر أن العائلة و كل العلاقات الاجتماعية ينبغي أن تتلاءم مع تراتب دقيق. لكن ماو تسي تونغ كان قد حسم مبكرا مع التقاليد و تمرد عليها، و هكذا عارض الممارسة الكونفوشيوسية التي تتيح للآباء أن يختاروا الأزواج لبناتهم، لتتحولن مذ ذاك إلى إماء لأزواجهن و آبائهم. و منذ أن كان ماو لم يتجاوز بعد سن الثالثة عشرة، رتب له والده زواجا بفتاة عمرها تسعة عشرة سنة لتعمل كخادمة له، حتى يصبح هذا الزواج تاما، لكن ماو رفض نهائيا قرار والده.

 

4- إن الفلاحين الصينيين يمتلكون إرثا طويلا من التمردات، و قد كبر ماو في سياق تتابعت فيه الإنتفاضات الواحدة بعد الأخرى. فمن سنة 1901 إلى سنة 1910 اشتعلت الصين بما يقارب ألف انتفاضة، استنهضت عشرات الملايين من الأشخاص. و في سنة 1906 ، تعرضت الصين بما فيها خونان للحرب و المجاعة و الدم. و لم يكن ماو سوى تلميذا في المدرسة الإبتدائية عندما حصل حدث قال عنه فيما بعد :« أثَّر على بقية حياتي» ألا و هو انتفاضة خونان. هذه الإنتفاضة التي انطلقت من مناجم الفحم في منطقة كانت المجاعة فيها أشد قسوة، حيث نظَّم الآلاف من المنجميين و الفلاحين و الجنود مسيرة حتى تشانغشا shangsha)) ، حيث استولوا على المستودعات التي يخزن فيها الملاكون العقاريون المحاصيل الزراعية. و عندما ذهب ممثلوهم لملاقاة الحاكم للمطالبة بشيء يأكلونه، أجابهم بسخرية :" كيف يعقل ألا يكون لديكم ما يكفي من القمح؟ أنا، كنت أتوفر عليه بالشكل الكافي!" و قد أغضب هذا الجواب الناس فانتفض عمال المناجم و الفلاحون و الجنود الذين جاؤوا إلى المدينة فحاصروا منزل الحاكم و نهبوا المستودعات التي كان الأغنياء يجمعون فيها ذخائرهم. و اتسعت الإنتفاضة كثيرا، حيث تجمع أكثر من 6000 من عمال المناجم القادمين من مناجم فحم أنيوان (anyauan ) ، أمام مكاتب المقاطعة، و التحق بهم الفلاحون حاملين ألوية ، مطالبين باقتسام الأرض.

و قد أُرسلت الجيوش لقمع الإنتفاضة، و كان الجنود يقومون بقطع رؤوس الناس الذين يتغلبون عليهم و يعلقونهم على الأسوار في الأماكن العامة ليرى الكل ما سيحصل له إذا ما رغب في الإلتحاق بالتمرد. و قد سمع ماو- الذي كان يبلغ من العمر 12 سنة- طبعا، بهذه الانتفاضة و ناقشها مع الطلاب الآخرين. لكنه وجد أن زملاءه كانوا بعيدين عما يحصل، في حين أنه هو تموقع إلى جانب الثوار. و قد شرح فيما بعد : « لقد ناقشت الأحداث طيلة أيام في المدرسة. و قد كنت متأثرا بما يقع. و العديد من الطلاب تعاطفوا مع المتمردين، لكنهم كانوا يظلون في وضعية الملاحظين للأحداث. إذ لم يكونوا يفهمون أن التمرد له أيضا علاقة بحياتهم الخاصة. لم يكونوا في النهاية سوى متفرجين، معنيين فقط بالمظهر المثير للأحداث الجارية. لن أنسى هذا أبدا. كنت أعي أن المتمردين كانوا أناسا عاديين، مثلما كانت عائلتي. و كنت أشعر بالظلم الذي تعرضوا له.»

 

5-غادر ماو بيت العائلة في سنة 1903 و هو إبن 16 سنة لمتابعة دراسته في هسيانغ هسيانغ، وقد عرفت الصين آنذاك فترة صاخبة من الإنتفاضات في كل مكان. وفي سنة 1905 أسس صان يات صين "التانغ مينغ هاي ( العصبة الثورية) التي كانت تهدف إلى إنهاء السيطرة الأجنبية و بناء الجمهورية الديمقراطية البرجوازية، كما انتشرت حركة التحرر الوطني عبر ربوع الصين، مؤدية بذلك إلى تنامي الإنتفاضة المسلحة. إلى أن أرغم صان يات صين على مغادرة البلاد سنة 1895 ، لكنه واصل تنظيم الحركة الثورية إنطلاقا من الخارج. وفي سنة 1911 اندلعت الثورة ضد سلالة مانشو، و قد وصل ماو إلى شانغشا في شتنبر،  أي شهرا قبل اندلاع الثورة. حيث التحق بالجيش الجمهوري الجديد لفترة ستة أشهر قصد الإطاحة بحكومة مانشو. فانتُخب صان يات صين رئيسا مؤقتا للجمهورية الصينية الجديدة. لكنه سرعان ما أُرغم على الإستقالة و ترك الرئاسة لـيان شيه كاي، أحد أمراء الحرب الذي ساهم في إسقاط الإمبراطور. و قد أسس صان يات صين الكيومنتانغ لمعارضة يان شيه كاي و تراجع إلى كانتون. لكن الدول الإمبريالية تحالفت مع يان، حيث زودته بالمال و السلاح. و قد تم دحر التمرد الذي قام ضد يان من طرف عسكر حسن التجهيز، بفضل المال المحصل عليه من الخارج. فظلت الصين مقسمة إلى "ممالك" عديدة، يحكمها أمراء الحرب و جيوشهم الخاصة، طيلة العشر سنوات المتتالية. حيث حاولت مختلف القوى الإمبريالية أن تجعل منهم عملاء لها، بهدف بسط و توطيد نفوذها في الصين. مما سيلائمهم أخيرا، لأنهم هم أيضا كانوا يسعون إلى الاستناد إلى القوى الكبرى للحفاظ و مناطق نفوذهم وتوسيعها.

 

6- تابع ماو دراسته من 1911 إلى 1918 في تشانغشا إلى أن حصل على إجازته التعليمية، و قد صرح بخصوص هذه الفترة أنه  :« لأول مرة في حياتي، رأيت خريطة العالم فدرستها باهتمام بالغ»، فقد درس تاريخ البلدان الأخرى. كما درس كتابات مختلف الفلاسفة مثل آدام سميث، و داروين، و جون ستيوارت ميل، و روسو بالإضافة إلى الفلاسفة اليونانيين، كما تابع بانتظام الصحف التي تأتي من الصين كلها. و لأول مرة قرأ البيان الشيوعي لماركس و انجلس.

و في سنة 1917 أسس ماو "الجمعية الجديدة للدراسات الشعبية"، و هي جماعة من الشباب تعارض استهلاك الأفيون و القمار و استهلاك الكحول و الدعارة و الفساد. و قد ساندت هذه الجماعة "إصلاحا للصين و للعالم أجمع" و من القضايا التي اهتمت بها، ينبغي الإشارة إلى اضطهاد النساء، حيث أن ماو آمن منذ تلك الفترة بأن النساء ينبغي أن يعتبرن و يعاملن كـ"أشخاص مستقلين". و آمن أن الرجال لن يتحرروا أبدا ما لم تتحرر النساء أيضا. فشرعت الجماعة في تنظيم دروس مسائية للعمال، أعطى من خلالها ماو دروسا في التاريخ، ونشَّط مناقشات حول الأوضاع الإقتصادية الراهنة، كما كان يقرأ الجرائد للعمال الأميين. و قد انتقد اللغة المتعجرفة المستعملة في الغالب من طرف الموظفين و المدرسين؛ وأكد على أن الدروس ينبغي أن تعطى بلغة الشعب. إذ نستطيع قراءة هذا في أحد الملصقات التي تخبر بأنشطة الجماعة :" تعالوا لسماع خطابات سهلة و واضحة ...يمكنكم ارتداء ما تشاءون".

 

7- بعد الحرب العالمية الأولى، اعتقد الكثير من الناس في الصين، أنها ستعامل بإنصاف و ستعاد إليها الأراضي التي انتزعت منها، بعد انتصار "الديمقراطيات الغربية". لكن، عندما اجتمعت القوى الظافرة لإعادة اقتسام العالم في مؤتمر فيرساي، تم تحويل الحقوق و الامتيازات حول الأراضي الصينية التي كانت تطالب بها ألمانيا إلى اليابان. فتظاهر 3000 طالب في بكين يوم 4 ماي 1919 احتجاجا على هذا القرار. فأعلن القانون العرفي و لجأت الشرطة و الجيش إلى اعتقالات عديدة. لكن المظاهرات تواصلت، و أدت إلى تشكيل جبهة موحدة ضد الإمبريالية و أيضا ضد أمراء الحرب الذين يخونون و يبيعون الشعب الصيني تماما. و في العاشر من ماي عرفت المدارس إضرابا عاما، و في 2 و4 يونيو اعتقل العديد من الطلاب و المدرسين. و في 6 يونيو امتد الإضراب الذي اندلع في شنغهاي إلى جهات أخرى أكثر بعدا. و قد تأثرت بالإضراب مئات الشركات التي تضم حوالي 90000 عامل و عاملة (و قد كانت العاملات مشاركات بكثرة في هذه الحركة). و عندما علم ماو و أعضاء جماعته الآخرون بوجود هذه الحركة (التي تسمى باسم "حركة 4 ماي" ) أصدروا نداءً هم أيضا إلى الإضراب، و شكلوا جمعية للطلبة و الطالبات في خونان. هذه الحركة التي كانت أساسا موجهة ضد الإمبريالية. امتدت عبر الصين كلها طيلة سنة 1919. مؤدية إلى تسييس ملايين الأشخاص. لكنها و مثل ما حصل سنة 1911 ، كانت تفتقد إلى قيادة عمالية و ظلت محدودة من حيث أهدافها.

« للقيام بالثورة ينبغي حزب ثوري، بدون حزب ثوري مؤسس على النظرية الماركسية اللينينية و الأسلوب الثوري الماركسي اللينيني، يستحيل قيادة الطبقة العاملة و الجماهير الشعبية الغفيرة إلى النصر في صراعها ضد الإمبريالية و عملائها»[3] .

 

8- في سنة 1917، أطاحت الطبقة العاملة الروسية بالقيصربة و بنت لأول مرة في التاريخ دولة اشتراكية جديدة مبنية على ديكتاتورية البروليتاريا. و قد أعاد هذا النصر الدفئ إلى قلوب المضطَهَدين(ات) عبر ربوع العالم، فبلغ "دروس" الثورة الروسية للصين. فتحول المناضلون و المناضلات الذين كانوا نشيطين في التمردات التي تتابعت فيها إلى الاشتراكية، كما قال ماو:«شرارات الثورة الروسية ...حملت إلينا الماركسية اللينينية». و قد كان لي تاشاو أول اختصاصي صيني ينشر الثورة الروسية و الماركسية في الصين. و في 1918 أصبح ماو مساعدا له في مكتبة جامعة بكين و أُدمج ماو في "جماعة الدراسات الماركسية" من طرف لي؛ و هنا بدأ في مطالعة ترجمات مؤلفات ماركس و لينين قائد الثورة الروسية. وقد صرح ماو أنه:«بتوجيه من لي تاشاو، تعودت بسرعة على الماركسية».

دائما في بكين، أحب ماو يانغ كاي هوي و تزوجها. و كانت يانغ ثورية، و بقيت كذلك إلى أن اعتقلت و قتلت من طرف الحكومة سنة 1930، بعد أن رفضت التخلي عن أفكارها و نشاطاتها و زواجها من ماو. و في أبريل من العام 1919، عاد ماو إلى شنغشا للتدريس و قد عمل هناك خصوصا على تنظيم العمال في المعامل و السكك الحديدية. و كان أول من حمل الماركسية إلى خونان، و شكل في شنغشا أول جماعة لدراسة الماركسية في الإقليم. و قد كتب عددا من المقالات حول الوضع العالمي تختلف عن العادات القديمة، و تنادي بالثورة. كما كان أول الدروس التي ألقاها تحت عنوان "الماركسية و الثورة" خُتم بخلاصة مفادها أنه فقط بدراسة الماركسية يستطيع الشعب الصيني التخلص من الورطة.

«في صيف 1920، أصبحت ماركسيا في النظرية، و أيضا، إلى حد ما، في الممارسة. و انطلاقا من هذا الوقت اقتنعت بأن الماركسية تقدم تفسيرا صحيحا للتاريخ، فلم أتردد أبدا بعد ذلك» ماو تسي تونغ.

 

9- تدخل ماو باكرا لفضح العلاقات الإقطاعية و الكونفوشية التي تضطهد النساء في الصين، فانضمت العديد من النساء إلى الحركة الثورية، و في 14 نونبر 1919، قطعت امرأة حنجرتها عندما حاولوا إرغامها على الزواج بالقوة، و اعتبر ماو أن« النساء يمتلكن طاقة ثورية هائلة» باعتبار أنهن «ينبغي أن يحملن على أكتافهن عبء اضطهاد أكثر من الرجال، إذ بينما يواجه هؤلاء "ثلاثة جبال"من الإستغلال ، تواجه النساء أربعة لأن الرجال يستغلونهن أيضا».

و في سنة 1920، أصبح واضحا بالنسبة لماو أن حلقات دراسة الماركسية لم تعد كافية في حد ذاتها و أن الشعب الصيني في حاجة إلى حزب طليعي حقيقي. و قد كلف لي تاشاو، ماو ، نظرا لإدراكه لكفاءته التنظيمية، بالبدء في اختيار أعضاء من أجل بناء حزب شيوعي جديد. و في فبراير 1920، قدم ممثلان عن الأممية الشيوعية إلى بكين للنقاش مع لي تاشاو حول العمل الذي ينبغي القيام به لبناء الحزب. منذ ذاك خصص ماو مجمل وقته للَمّ الناس لتنفيذ هذه المهمة. و قد قال أنه ينبغي :« أن نختار بدقة  أناسا متسمين بالصلابة، و رفاقا مخلصين». و قد قام ماو، بمعية رفاق آخرين، بتشكيل حلقة دراسية حول روسيا، و نظم حلقات طلاب كانوا قد ذهبوا للعمل و الدراسة في هذا البلد. و في نهاية نفس السنة شكل ماو في خونان فرعا لـ"مركز الشبيبة الإشتراكية"، الذي أصبح بعد سنتين أكبر منظمة من هذا الصنف في الصين، حيث ضمت أكثر من 2000 عضو. و انتشرت المنظمة و الصحافة الشيوعية بصورة مذهلة في جهات عديدة أخرى. فكان الشباب الشيوعي ينظمون الدروس المسائية لفائدة العمال و العاملات و يساعدون على خلق النقابات في المدن الكبرى. و في أبريل 1920، كانت حلقات دراسة الماركسية تشتغل في أغلبية المدن الصينية، و كذلك في باريس و و برلين و موسكو و اليابان، التي نجد فيها جالية صينية مهمة.

 

10- و في ماي 1921: غادر ماو بمعية صديق له، شانغشا متنكرا في هيئة تاجر، قصد الذهاب إلى شانغهاي حيث سيعقد المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني (PCC ). و قد كان يوجد  في الصين حوالي 57 ماركسيا؛ و كانت أكبر مجموعة تتشكل من 16 شخصا، و كانت في خونان و مان لكل إقليم نُظمت فيه حلقات الدراسة الحق في إرسال مندوبين إلى المؤتمر ليصل المجموع إلى 12 شخصا. و قد كان هؤلاء في الغالب من الشباب لا يتجاوز معدل سنهم 26 سنة. فانطلقت أشغال المؤتمر يوم 16 يوليوز في مدرسة للفتيات في پو_آي (po-ai ). و نظرا لأن الظرف كان ظرف عطلة فلم يكن هناك أحد سوى عامل مطبخ تكلف باستقبال المندوبين(ات). و بالرغم من الإحتياطات التي تم اتخاذها، فقد علمت الشرطة بانعقاد هذا الحدث، و في اليوم الرابع من المؤتمر و في الوقت الذي كان فيه المندوبون مجتمعين لمواصلة المناقشات، انزوى شخص مشبوه في مدخل المحل الذي ينعقد فيه الحدث للإستفسار عن اجتماع آخر كان من المفترض أن ينعقد في عين المكان... و بشعورهم بالفخ سارع المندوبون إلى مغادرة المكان، و بعد دقائق وصلت الشرطة رفقة 9 أشخاص مدنيين. ففتشوا المكان، لكن المندوبون كانوا قد غادروه مصحوبين بوثائقهم. فتابع المؤتمر أشغاله على ظهر سفينة اكتراها المندوبون، على بعد 130 كلم من شنغهاي.

و قد تميز المؤتمر الذي دام ثمانية أيام، بمناقشات عدة، وصراعات خطوط و اختلافات مهمة. فبعض المندوبين دافعوا عن موقف يميني محافظ يعتبر أن الطبقة العاملة لازالت "مفرطة الصغر" و أنها "ليست مهيأة بعد" لتشكيل حزب شيوعي. و كان هؤلاء المندوبون يرغبون في استمرار حلقات النقاش الماركسية. بينما دافع مندوبون آخرون عن خط "يساري متطرف" "ultragauchiste"، يعارض كل أشكال النضال الشرعية و كذلك كل أشكال الوحدة مع أحزاب أو منظمات طبقة أخرى. و ماو لم ينضم لأي من هذين الإتجاهين. لكن بعد عدة أيام من المناقشات تمكن الإتجاه "اليسراوي" من التفوق، و قد صوت ماو ضد القرار النهائي (البيان الختامي) الذي تبناه المؤتمر لكونه يعارض بناء وحدة واسعة و يحصر الإنضمام إلى الحزب فقط في العمال و العاملات، و يحرمها على الأشخاص القادمين من طبقات أخرى و الذين يتبنون إيديولوجية البروليتاريا. و رغم ذلك فقد تم انتخابه أمينا للمؤتمر و بعد ذلك، أصبح رئيس فرع خونان للحزب الشيوعي. إذن فالفلاحون و الطبقة العاملة أصبحوا يمتلكون حزبا طليعيا و نظرية ماركسية، و هما الوسيلتان الضروريتان ليستطيع الشعب المرور من العصيان إلى الثورة، و ليستولي عند الإقتضاء على سلطة الدولة.

 

 

الجزء الثاني:

بدايات الثورة الصينية

1-      في يوليوز 1921، و مباشرة بعد تأسيس الحزب الشيوعي الصيني عاد ماوتسي تونغ إلى خونان حيث عمل على خلق أول نقابة عمالية شيوعية. و باعتباره رئيسا لفرع خونان للحزب الشيوعي الصيني بهذا الإقليم اهتم بتجميع العمال. فالتجأ إلى مناجم الفحم بأنيوان anyuan . جنوب الإقليم، حيث تتوفر تقاليد عريقة من الإضرابات و النضالات. فعمال المناجم مرغمون على العمل مدة 14 حتى 15 ساعة في اليوم، مقابل أجرة ثمانية سنتات (أجرة هزيلة). وقد شكل ماو مدرسة ثورية من أجلهم بحيث أنه طيلة سنوات عديدة أعطت مناجم أنيوان أعدادا هامة من الكوادر للحزب. كما نزل ماو إلى الآبار للتحدث إلى العمال حول أوضاعهم المعيشية و و حول ضرورة الثورة، كما زحف عبر الأنفاق الضيقة التي يدفع عبرها أطفال صغار العربات المليئة بالفحم. كما ذهب لزيارة الأكواخ القذرة التي يُرغَم العمال على السكن فيها، مسجلا بعناية كل ما يقولونه له بخصوص أوضاعهم المعيشية. و يستغل ذلك لإقناعهم ليسعوا لتملك مصيرهم. إذ يقول لهم دائما:« التاريخ بين أيديكم، فلتصنعوا التاريخ».

لقد سافر ماو كمناضل شاب عبر الإقليم كله لتنظيم النقابات و خلق خلايا الحزب في المعامل الرئيسية. إلى أن انتُخب رئيسا لفرع "الفيدرالية العمالية للصين" بخونان سنة 1922 بعد أن اندمجت 20 نقابة. حيث شكل العمال مجالس ثورية، تهتم بالحياة الثقافية، بالتربية، بالرفاهية و الأمن. فأصبح شعار "السلطة للطبقة العاملة" شعارا شعبيا. إذ بينما لم يكن الحزب في سنة 1924 يضم سوى 500 عضوا، وصل العدد ثلاث سنوات بعد ذلك إلى 58000 شخصا. أما الفيدرالية العمالية للصين فقد كان عدد أعضائها، في سنة 1925 حوالي 450.000 عضوا و بعد سنتين أصبحت تضم مليونين و نصف المليون من الأشخاص.

 

Ø  2-و في فبراير 1925: كان ماو ينتقل من قرية إلى أخرى، و يعيش مع الفلاحين و يعمل معهم، منصتا إلى شكاويهم، و مجريا تحقيقات مباشرة حول وضعيتهم الحقيقية. و كان يؤسس إتحادات الفلاحين و يختار أيضا فلاحين للحزب. و خلال هذا الوقت بينما كانت الإضرابات و المظاهرات تندلع في المدن ضد السيطرة الأجنبية ، كانت نضالات الفلاحين و الفلاحات في الأرياف أيضا في أوجها. ففي عدة مناطق رفض الفلاحون أداء الأكرية الباهظة التي تُطلب منهم و هاجموا الجُباة. و قد صادروا الأراضي و شكلوا ميليشيات لمقاومة الملاكين العقاريين و جيوشهم. و في إحدى المدن، عندما تم سجن المكترين لعجزهم عن دفع أكريتهم، اجتمع 6000 من الفلاحين و الفلاحات، أمام محلات الإدارة العامة. إلى أن تم اطلاق سراح رفاقهم أخيرا. و قد شكات هذه الحادثة عبرة في الإقليم كله. و في شهر غشت أسس ماو أول فرع فلاحي للحزب، اجتمع في مخزن والديه في شاوشان, .لقد اهتم ماو حقا بعمل الحزب وسط الفلاحين، حيث أكد على القول بأن قلب الحركة الثورية هو الريف، الذي يشكل الفلاحون الفقراء 70% من ساكنته. وفي يونيو 1926، أصبح عدد أعضاء الجمعيات الفلاحية عبر الصين كلها ما يقارب ملين شخص و بعد عام من ذلك بلغ العدد أكثر من عشر (10) ملايين فلاح و فلاحة. و قد كان بعض قادة الحزب يعارضون العمل التنظيمي وسط الفلاحين، فـ"تشين توسيو"، الذي كان يمثل الجناح اليميني، كان يعتقد أن الفلاحين " محافظون ومتخلفون " عن الإنضمام إلى الشيوعية. أما آخرون مثل شانغ كيو طو و لي لي سان فقد كانوا يعتبرون، انطلاقا من وجهة نظر "يسراوية" أن الطبقة العاملة قوية بما فيه الكفاية للقيام بالثورة لوحدها، و أن الحزب الشيوعي ينبغي أن يتخلى عن العمل وسط الفلاحين، لكن ماو من جانبه كان يؤكد على أنه بما أن الفلاحين يشكلون الأغلبية الكبرى من ساكنة الصين، فإن الطبقة العاملة ينبغي أن تتخذهم حلفاء لها، و أن هذا شرط من أجل تحقيق الثورة. فقد أدرك ماو الدور المركزي للفلاحين و للحركة الفلاحية في الثورة الصينية، فكان يقول أنه:«بدون الفلاحين الفقراء، لن تكون هناك ثورة. و نفي دور الفلاحين هو نفي للثورة. و مهاجمتهم مهاجمة للثورة» و قد استمر الصراع داخل الحزب حول مسألة دور الفلاحين و أهمية المسألة الزراعية لوقت طويل.

 

Ø  3-و في يونيو 1923 ، بمناسبة انعقاد المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي الصيني ، انتخب ماو عضوا في اللجنة المركزية. واتخذ الحزب قرار تشكيل جبهة موحدة مع حكومة الكيومنتانغ التي يتزعمها صان يات صين، و مساعدة الوطنيين على تشكيل جيش لمواجهة أمراء الحرب و القوى الإمبريالية. و قد كان الإتحاد السوفياتي أيضا يدعم الكيومنتانغ، مساعدا إياه خصوصا على خلق أكاديمية عسكرية في وامباو (wampao  ) مخصصة لتعليم و تدريب الجنود و الضباط. لكن على عكس البعض من داخل الحزب مثل تشين توسيو، الذي كان يعتبر أن "الوحدة أهم من أي شيء"، كان ماو يدافع عن فكرة مفادها أنه ينبغي للحزب أن يحافظ على استقلاليته المطلقة حتى داخل الجبهة الموحدة، و أن يؤَمّن قيادة الطبقة العاملة و الفلاحين. لقد نبه الشيوعيين إلى أن الثورة ينبغي أن ألا تترك في أيدي الكيومنتانغ. و تنفيذا لخط الحزب انضم ماو إلى الكيومنتانغ و اعطيته مهمهة الربط بين المنظمتين.

و في سنة 1925 ، يعد وفاة صان يات صين، تولى الحكم على رأس الكيومنتانغ شخص يعادي الشيوعية و الثورة و هو تشانغ كاي تشيك. إذ أعلن مجلسه التنفيذي المركزي، في مايو من نفس السنة، أنه قرر خطة عسكرية في اتجاه شمال البلاد يهدف دحر أمراء الحرب هناك و توحيد الصين. لكن تشانغ كاي تشيك حتى في سعيه إلى إزاحة أمراء الحرب عن مواقعهم لم يكن يهدف إلى وضع حد للإضطهاد و الإستغلال الذي كان يتعرض له  العمال و الفلاحون. إذ كان مدعما من طرف الدول الإمبريالية الأكثر قوة التي كانت تريد من خلال تدخلها الحفاظ على الصين كبلد شبه مستعمر. إن تشان كاي تشيك رغم زعمه الرغبة في الحفاظ على الجبهة المتحدة مع الشيوعيين – فقد كان يردد شعارات من قبيل "عاشت الثورة العالمية" و أيضا "فليسقط الإمبرياليون!"-، لكنه لا يقوم إلا بإعداد هجوم دموي ضد الحركة الشيوعية.

 

Ø        4- في 20 مارس 1926، ألقى تشانغ كاي تشيك القبض على 25 شيوعيا و سَجَنهم في الأكاديمية العسكرية في "وامباو". و في كانتون، كما تمت مباغتة المقر المركزي للنقابات العمالية، حيث جرى اعتقال القادة أيضا. و تم تفكيك لجنة الإضراب و صودرت أسلحتها و مؤونتها من طرف السلطات القمعية. كما قامت فرق الكيومنتانغ، و الشرطة و الفصائل الخاصة المسلحة المشَكَّلة لهذا الغرض بدوريات في الشوارع. وأعلن الكيومنتانغ في 14 ماي القانون العرفي. و في هذا الظرف الصعب، أخفق الحزب الشيوعي في انجاز المهمة التي كان مفترضا أن يقوم بها و هي تنظيم هجوم مضاد كبير. و تحت تأثير تشين توسيو  و خطه "الوحدة بأي ثمن" و بالخضوع للكيومنتانغ، أمر الحزب قادته بـ"ضبط" العمال و اتقاء أي "تجاوز"، فظل العمال إذن عزلا في مواجهة القمع. و في الأرياف، بدأ الملاكون العقاريون الكبار و جيوشهم في التقتيل الممنهج لزعماء إتحادات الفلاحين.

و في 15 ماي، اقترح تشان كاي تشيك حلا خاصا يقلص دور الشيوعيين داخل الكيومنتانغ. إذ طالب بالحصول على لائحة الشيوعيين أعضاء الكيومنتانغ، كما اشترط مصادقته المُسبَقة على التعليمات التي يصدرها الحزب الشيوعي  إلى أعضائه قبل أن توزع! و قد قبل تشين توسيو و الحزب الشيوعي هذه الإجراءات التي أملاها تشيانغ كاي تشيك. لكن ماو اعترض عليها بشدة. إذ كان يعتقد عن صواب أن الشيوعيين قد أُرغموا على الإنكشاف للعموم، ليتم اعتقال العديد منهم و يعدموا في الحال. و قد تحول الكيومنتانغ باتخاذه لهذه الإجراءات بالفعل،-دائما حسب ماو- من حزب وطني يضم عناصر ثورية إلى أداة للثورة المضادة في خدمة ديكتاتورية عسكرية جديدة.

و في يوليوز من نفس السنة، شن الجيش الوطني، تحت قيادة تشيانغ كاي تشيك حملته على الشمال (المعروفة باسم "حملة الشمال" "l'expédition du nord" )، شارك فيها عدد من الشيوعيين ضد أمراء الحرب، فحققت هذه الحملة نجاحا ملحوظا. وذلك في جزء كبير نتيجة المشاركة الواسعة للعمال، الذين أشعلوا الإضراب في المدن، و الفلاحين الذين انتفضوا في الأرياف. و قد شكل العمال جيوشا شعبية (ميليشيات) و باغتوا مواقع أمراء الحرب. كما استولى الفلاحون على مراكز الشرطة ليعطوا دعما لوجيستسكيا مهما للجيش الوطني، إذ عملوا كمرشدين، كسعاة بريد، و كناقلي جرحى و مزودين الجيش الوطني بالماء و المؤونة، و قد تكلفت ميليشيا الفلاحين يإدارة القرى بعد انصراف أمراء الحرب، و في أقل من شهرين سقطت كل من أقاليم كيانسي، و خونان، و هوبي في أيدي الجيش الوطني.

 

2-     و في دجنبر 1926، عاد ماو إلى شانغشا، بمناسبة انعقاد أول "مؤتمر لعمال و فلاحي خونان"، حيث انتُخب رئيسا له. و أسس "الفرع الفلاحي"  للحزب الشيوعي الصيني و دون عدة تقارير تقدم نتائج التحقيقات التي أجراها، هذه التقارير التي تُظهر جيدا إلى أي حد يضطهد الملاكون العقاريون الفلاحين. و قد أكد فيها ماو على أهمية انتفاضات الفلاحين، و أكد خصوصا على ضرورة تثبيت قيادة شيوعية. و قد قال في هذا السياق :«لقد قُمعت الحركة...و السبب هو أن الجماهير لم تكن منظمة بالشكل الكافي، و أنها  كانت تفتقد إلى القيادة اللازمة لها...و هو ما جعل الحركة فاشلة منذ البداية». بدأ الكيومنتانغ في قمع إتحادات الفلاحين في شهر شتنبر من سنة 1926. لكن رغم هذا انتقل عد أعضائها من مليون إلى مليونين من العائلات في ظرف شهر واحد، من نونبر إلى دجنبر. و في بداية سنة1927 شُكّلَت اتحادات فلاحية في 54 إلى 75 مقاطعة في البلاد.

و بدأ الفلاحون بمبادرة منهم في مصادرة الأراضي و معاقبة (و أحيانا تصفية ) الموظفين الأكثر فسادا و فظاظة. و عندما بلغ نبأ إنتفاضات الفلاحين هذه إلى المدن، أثار ضجة كبيرة، فالعديد من الأشخاص حتى الذين يدعون بالثوريين، اعتبروا أن هذه الحركة كانت "رهيبة". لكن ماو تسي تونغ على العكس من ذلك، نظر إليها من وجهة نظر محبذة:« إذا كنتم ثوريين حقا، و إذا كنتم تعاينون ما يجري في الأرياف و ما يجري حولكم، ستكونون بدون شك أكثر تحمسا مما كنتم. فالآلاف و الآلاف من العبيد و الفلاحين ينهضون ليصرعوا أعداءهم؛ و ما يفعلونه صحيح بالطبع». و في هذه الفترة كتب ماو مقولته الشهيرة: «إن الثورة ليست مأدبة و لا كتابة مقالات و لا رسم صورة و لا تطريز ثوب، فلا يمكن أن تكون بمثل تلك اللباقة و الوداعة و الرقة، أو ذلك الهدوء و اللطف و الأدب و التسامح و ضبط النفس. إن الثورة انتفاضة و عمل عنف تلجأ إليه إحدى الطبقات للإطاحة بطبقة أخرى. و ثورة الريف هي ثورة تطيح بها طبقة الفلاحين بسلطة الملاكين العقاريين.

فالأعمال التي قام بها الفلاحون مشروعة و ضرورية جدا و ذات مغزى ثوري في المرحلة الراهنة...».[4]

         «يستحيل على حزب يقود حركة ثورية كبيرة أن يحقق النصر إذا لم يكن مسلحا بنظرية ثورية، و لا ملما بمعرفة التاريخ ، و لم يكن لديه فهم عميق للظروف الفعلية للحركة ».

 

6-       في مارس 1927، كتب ماو " تقرير عن تحقيقات حول حركة الفلاحين في خونان" مقدما الخلاصات التي استنتجها من السفر لمدة خمسة (5) أسابيع قضاها في قرى هذا الإقليم.وقد فرض هذا التقرير نفسه كنموذج للتحليل الثوري: إذ طبق ماو الماركسية على تحليل الأوضاع الملموسة بخونان بحيث عمل على تطوير استراتيجية و تكتيكات صحيحة لقيادة الثورة. فالتقرير المعني كان يرد بالإضافة إلى ذلك على أولائك الذين، من داخل الحزب، كانوا يعتبرون أن انتفاضات الفلاحين كان لها طابع "مفرط"،  بأنه :« بعد زمن قليل سوف نرى مئات الآلاف من الفلاحين يقاومون، مندفعين،لا يقهرون/ مثل الإعصار، و لن تستطيع أية قوة إيقافهم. و سيكسرون كل أغلالهم و يرتمون في طريق التحرر. و سيحفرون قبر كل الإمبرياليين و أمراء الحرب، و الموظفين الفاسدين و المُختلسين و الطغاة المحليين و النبلاء الأشرار. و سيمتحنون كل الأحزاب  الثورية و كل الرفاق الثوريين، الذين سيكون عليهم الإشتراك. هل نتزعم الفلاحين و نقودهم؟ أم نبق خلفهم مكتفين بنقدهم بقوة إشارات آمرة؟ أم نقف في وجههم و نصارعهم؟ فكل صيني حر في اختيار إحدى هذه الطرق، لكن الوقائع سترغم كل واحد أن يقوم بسرعة بهذا الإختيار؟[5].

في الأماكن التي تشكلت فيها اتحادات الفلاحين، أصبحت القوة الوحيدة التي تمارس السلطة. فالناس الذين لم يكونوا يملكون أي شيء نهضوا و بدِوا في أخذ السلطة في أيديهم. و هدفهم لم يكن تدمير النظام الإقطاعي القديم و فقط، بل أيضا تنظيم القرى و وضع شيء جديد مكان المجتمع القديم. إن تقرير ماو كان يشير في هذا السياق إلى أن الأماكن التي كانت فيها اتحادات الفلاحين أكثر قوة ، زالت منها فعليا كل ألعاب القمار و قُطاع الطرق و استهلاك الأفيون. إذ شكل الفلاحون تعاونيات للإستهلاك و خلقوا شبكات جديدة للتوزيع. كما وضعوا نظاما للدفاع الذاتي خاصا بهم، و شيدوا الطرقات و وضعوا برامج للتربية الشعبية. و كل هذا –أي إزالة النظام الإقطاعي و السلطة الإقتصادية و السياسية للملاكين العقارين- كان يتم من طرف الفلاحين بالإعتماد على قواهم الذاتية و تنظيمهم الخاص؟

 

7-       طيلة هذا الوقت، دائما في بداية سنة 1927 ، كان الكيومنتانغ يركز هجماته على الحركة الثورية في المدن. و قد قلص خصوصا بشكل كبير حرية التجمع، حرية الصحافة، الحق في التنظيم النقابي، و كذا حق الإضراب. و في مارس بدأت قوات تشانغ كاي تشيك في احتلال مدينة نانكين، للتقدم بعد ذلك صوب شانغهاي. و في 12 أبريل، قامت كتيبة جيدة التسليح و مُشَكَّلة من عصابة من الصعاليك مرتبطة بجماعة سرية بشانغهاي، باحتجاز عدد كبير من القادة العماليين، و قتلتهم. و بعد دخول جيش تشانغ كاي تشيك إلى شانغهاي، يومان بعد ذلك، واصل المجزرة . إذ قُتل آلاف العمال و اعتقل آلاف آخرون و عُذبوا. و طيلة أشهر كاملة، كانت الشاحنات العسكرية المليئة بالعمال الذين أعدموا بعد ذلك، تشق الطرقات. و في كل نهاية أسبوع، طيلة ما يقارب سنتين، تواصت الإعدامات، و في بيكين اعتقل ستون (60) من الشيوعيين و الزعماء النقابيين، و من بينهم لي تا شاو، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الصيني الذي قُتل في أبريل. و بناء على الإنتصارات الدموية التي حققها تشانغ كاي تشيك على الشيوعيين، تمكن من إقامة حكومة في نانكين و من الحصول على اعتراف القوى الإمبريالية في الغرب بها باعتبارها الحكومة الوحيدة و الأوحد ذات الشرعية في الصين كلها.

دائما في أبريل، عقد الحزب الشيوعي الصيني مؤتمره الخامس؛ و كان الثمانون مندوبا الحاضرون يمثلون ما يناهز 57967 عضوا. و تحت تأثير تشين توسيو، أصبحت الدعوة إلى  "الوحدة بأي ثمن" الشعار الرئيسي للمؤتمر  و قد تم تحميل ماو، الذي انتُزع منه حق التصويت، مسؤولية "تجاوزات" الفلاحين. و لم يتخذ المؤتمر أي إجراء للتشهير بالقمع الذي يتعرض له العمال و الفلاحون أو لوضع حد له. بل بالعكس كان الخط الذي تم تبنيه ينص على التخفيف من إيقاع الثورة في الريف، و ذلك بمنح الملاكين العقاريين و النبلاء المحليين و لمسئوليهم العسكريين، التزامات.

 

8-       يومان بعد إطلاق تشانغ كاي تشيك لحملته التقتيلية في شانغهاي، بدأ أمراء الحرب أيضا بدورهم انتقامهم و مذابحهم ضد الفلاحين الثوريين، الذين عُذبوا بشدة و تم تشويههم. و قد تعرضت النساء بشكل خاص، اللواتي لعبن دورا في حركة التمرد، لتقطيع و الإحراق و هن أحياء. و في مقاطعة هوبيي houpei، قُتل 4700 فلاح من بينهم 500 امرأة، بين شهري فبراير و يونيو 1927. و قد تم اللجوء في ذلك إلى وسائل متعددة: ضرب الأعناق، دفنهم و هم أحياء، الإحراق، التقطيع...و رغم أنه أثناء حركة التمرد شكل الفلاحون ميليشيات و حصلوا على أسلحة، إلا أنه الحزب نظرا لأنه قد قرر إيقاف "التجاوزات" و "تحقيق الأمن" فقد أمر الفلاحين و العمال بتسليم الأسلحة. و قد رفض ماو تسي تونغ التصرف بهذا الشكل، الشيء الذي شكل أحد أسباب التي جعلته يتعرض للنقد و اعتباره هو المسئول عن هذه "التجاوزات" الشهيرة. و في ماي، تظاهر في شانغشا 20000 من العمال و الفلاحين، من ضمنهم عمال مناجم أنيوان، بدعم من ماو، انتقاما للرفاق الذين قُتلوا. لكن " فيدرالية نقابات عمال الصين" و الجمعية الفلاحية  التي كانت تحت قيادة الحزب الشيوعي،أمرته بالخضوع. فالقادة العماليون قُتلوا، و الأراضي التي صادرها الفلاحون أُرجعت إلى مالكيها السابقين، و أغلقت المدارس الشيوعية، و أُحرق المدرسون و  الطلبة الذين كان يعرف أنهم من اليسار و هم أحياء، كما أُعدم القادة العماليون و النقابيون في الساحات العمومية. و على امتداد السنة التالية، أي سنة 1928 ، قُتل أكثر من 100000 من الفلاحين و العمال في إقليم هونان hounan  . فقد فيها الحزب على الأقل 15000 عضوا. و في يوليوز، تم أخيرا إجلاء الشيوعيين صراحة من الكيومنتانغ، حيث كانت كتائب الموت قد أخذت مهمة تصفية كل المتهمين بأنهم شيوعيون الذين تتمكن من العثور عليهم. و قد غادر ماو خونان بعد أصدرت الحكومة أمر اعتقاله، للدخول في السرية في يوهان، كما دخل أعضاء آخرون من الحزب مثله في السرية.

9-        بعد الحملة المناهضة للشيوعيين التي شنها تشانغ كاي تشيك، كان الحزب الشيوعي قد أبيد بشكل كامل. يمكن اعتبار أنه في سنة 1928 تمت تصفية ثمانين في المئة 80% من أعضائه. ففي المناطق الحضرية أُرغم الحزب على الدخول في السرية. لكن من هذا الهزيمة القاسية وُلدت استراتيجية ثورية جديدة. إذ بدأ الحزب ينظم العمال و الفلاحين بهدف إطلاق الكفاح المسلح. و في 15 يوليوز 1927 قام عصيان في نانشانغ. و رغم أنه كان غير مُثمر إلا أنه سمح على الأقل بتشكيل جيش أحمر جديد. و لأول مرة في تاريخ الحزب أصبح اليوم يملك قوته المسلحة الخاصة، المستقلة كليا. و في شهر غشت، تم الحسم مع الخط الإستسلامي اليميني و تمت إقالة زعيمه الرئيسي تشين توسيو.

و لمقاومة حملات التقتيل التي يشنها الكيومنتانغ ، نظم الحزب عصيانا مسلحا للعمال و الفلاحين، جرى في 11 دجنبر 1927 في كانتون. كما أعلن كذلك قيام حكومة ديمقراطية للعمال و الفلاحين، عُرفت تحت إسم "كمونة كانتون"، مكلفة بتنفيذ برنامج ثوري. لكن الثوريين كانوا يذهبوا أبعد partaient de loin . فجيوش الكيومنتانغ التي  كانت تفوقهم  بأكثر من ست أو سبع مرات، تلقت كذلك دعم الإمبرياليين البريطانيين و اليابانيين و الأمريكيين، الذين وضعوا مدافعهم تحت تصرفها. و قد تم إغراق العصيان في الدم. و كما شرح ماو ذلك فهذه الفترة أعطت للشيوعيين الصينيين درسا كبيرا: فالثورة المضادة كانت أشد قوة في المدن؛ حيث أنه رغم طابعها البطولي فالمحاولات التي كان يقوم بها  العمال و العاملات للإستيلاء على السلطة كانت تتعرض للفشل. فالثورة الصينية لن تنتصر، كما كان يعتقد ذلك بعض قادة الحزب، عن طريق استراتيجية مرتكزة على العصيانات المدنية و الإنتصارات الخاطفة.

 

10-     كانت جيوش الملاكين العقاريين و أمراء الحرب و الكيومنتانغ معبأة لهدف موحد ألا و هو اعتقال الشيوعيين لأجل تقتيلهم. و أمام هذه الوضعية عاد ماو إلى أنيوان لتعيين عمال مناجم لإطلاق ما سُمي "انتفاضة حصاد الخريف". إذ في هذه الفترة من السنة كان الفلاحون يكملون حصادهم و كان الملاكون العقاريون يأتون لملاقاتهم لجمع أكريتهم. لكن هذه المرة، كان ينبغي التصرف بحيث  ألا يحصل أي واحد منهم، و لا أي إنسان فظ، و لا أي من الوجهاء على أية حبة أرز، و أن تتم مصادرة أراضيهم. و قد شكل ماو "أول جيش ثوري للعمال و الفلاحين"، مكلف بإطلاق العصيان. و باقتراح من ماو عوض الجيش الجديد راية الكيومنتانغ بالراية الحمراء، مع رمز المنجل و المطرقة مرسومين وسطها نجمة صفراء. لم يكن الـ 8000 من المقاتلين و المقاتلات يملكون بدلة موحدة، و لم يكونوا و يكن مسلحين(حات) سوى بالرماح و بعض المسدسات. لكنهم و لكنهن ساروا و سرن من خونان حتى إقليم كيانغشي، مقاتلين الجيوش الرجعية. و كما أعلن ذلك ماو :«لقد انطلق النضال الطويل و المفتوح من السلطة في هذا الوقت بالذات». و قد شكلت هذه الفترة مرحلة أولى نحو تطوير صنف جديد من الحرب الثورية، التي سماها ماو الحرب الشعبية الطويلة الأمد،التي تتضمن خلق مناطق ارتكاز في الأرياف، و بناء جيش أحمر، و تحقيق الإصلاح الزراعي في القرية، و مواصلة حرب طريلة الأمد لتطويق المدن و الإستيلاء على السلطة.

 

الجزء الثالث:

ارتقاء جبال تسنغكانغ

 

1-       في سنة 1927، شنت الحكومة الوطنية بزعامة الكيومنتانغ هجومات كثيرة ضد الثوريين، سواء في المدن أم في القوى، مكبدة هزائم حقيقية للشيوعيين.  و لمواجهة هذه الوضعية عين ماو عددا من العمال و الفلاحين لتشكيل "أول جيش ثوري للعمال و الفلاحين" ، الذي خاض "انتفاضة حصاد الخريف"، لم يكن المقاتلون و المقاتلات سوى 8000 ، لم يكونوا و يكن مسلحين(حات) سوى بالرماح و بعض المسدسات. لكنهم(هن) عبروا و عبرن المرحلة الأولى من اندلاع الكفاح المسلح في القرية.

في هذه المرحلة اعتقل ماو و كاد أن يقتل:«كان الإرهاب الذي يمارس من طرف الكيومنتانغ آنذاك في أوجه، و المئات من الأشخاص المُشتبه في كونهم شيوعيين تم قتلهم، لقد أعطي الأمر بأخذي إلى القيادة العامة للجيش، حيث سأقتل بدوري، و قد حاولت إقناع الحراس المرافقين لي، بإطلاق سراحي مستغلا بضع عشرات الدولارات كنت قد اقترضتها من صديق لي، فالجنود كانوا يعملون بأجر (مرتزقة)، لم تكن لهم مصلحة في أن أُقتَل. فقبلوا إذن بإطلاق سراحي، لكن الضابط الذي كان مكلفا بالفرقة لم يوافقهم على ذلك. لذا قررت أن أحاول الفرار بوسائلي الخاصة! و عندما سنحت الفرصة، لم نكن سوى على مسافة 200 متر من مركز القيادة العامة للجيش. تمكنت من التخلص من أغلالي و جريت بكل سرعة في الحقول. وجدت نفسي قرب مستنقع، في مكان كان فيه العشب مرتفعا، و بقيت هناك إلى حدود غروب الشمس. و قد لاحقني الجنود، مُرغمين بعض الفلاحين على مساعدتهم في بحثهم. و قد اقتربوا مني في العديد من المرات، بشكل أقرب على درجة أنني كنت أستطيع أن ألمَسَََهم! كنت متيقنا أنهم سيجدونني

«الجيش الأحمر الصيني هو منظمة مسلحة مكلفة بتنفيذ المهمات السياسية للثورة. و في المرحلة الحالية خصوصا، لا يقتصر الجيش الأحمر على الأنشطة العسكرية؛ بل بالإضافة إلى المعارك التي ينبغي أن يخوضها لتدمير القوات المسلحة للعدو، يتولى أيضا عددا من المهمات الأساسية : الدعاية وسط الجماهير، تنظيم الجماهير، تسليح الجماهير، المساعدة المقدمة للجماهير لبناء السلطة الثورية و كذا لخلق منظمات الحزب الشيوعي»[6]

 

   

2-       تمكن ماو أخيرا من الإلتحاق بجيوشه. في هذه الفترة الحرجة، اتخذ قرارا هاما:الإنتقال إلى الجبال في تسينغكانغ، لبناء قاعدة و بناء صنف جديد من جيش التحرير. و كان عدد من قادة الحزب غير متفقين مع هذه المبادرة. لم يكن هناك خلال هذه الفترة سوى أربع ملايين عامل في الصين كلها –مقارنة مع 500 مليون من الفلاحين -، لكن هؤلاء القادة كانوا يرون أنه رغم ذلك ينبغي للثورة أن تنطلق من المدن. لقد بدؤوا هجمات مسلحة دون أي أمل في تحقيق النجاح. هؤلاء الناس لم يكونوا يرغبون في رؤية الحركة الثورية و قد دخلت في مرحلة جزر و أنه ينبغي العمل على إعادة بنائها. لكن ماو كان له رأي مخالف، إذ كان يقر أن الثورة المضادة كانت قوية، بينما الثوريون كان ضعيفين و مشتتين. لهذا كان ينبغي في نظره الذهاب على الأرياف. حيث كانت خطته هي بناء قاعدة ارتكاز، كفيلة بمنح الدعم الإقتصادي و السياسي للنظام الثوري الجديد. كان يعتبر أنها الطريقة الوحيدة للحصول على الدعم الحقيقي للجماهير، و طبعا لتطويق المدن و الإستيلاء على السلطة فيها. و قد كتب في تلك الآونة أنه :«بدون جيش ثوري ليس للشعب شيء»("حول الحكومة الإئتلافية"، أبريل 1945، المختارات المجلد الثاني). و في 20 شتنبر 1927 دعا ماو إلى تجمع لفرق الجيش، الذي لم يكن يتجاوز الألف. و قد سألهم :« هل سنقدم على الثورة أم لا؟» فرد الجميع بصوت مرتفع: «نعم سنقدم عليها! ».

3-        و قد بدأ ماو رحلته نحو جبال تسينغكانغ، فقط صحبة 800 رجل و ليس أكثر من200 مسدس متسلقين أكتاف الخونة و الأوحال  escaladant les conforts des traîtres et boueux . و في المساء عندما يتوقفون للنوم كان ماو يعطي دروسا للمقاتلين و كان ينظم مناقشات لتقييم حصيلة المعارك السابقة و لتوضيح أهداف الثورة. و في الطريق إلى تسينغكانغ تجاوز ماو مرحلة أخرى عصيبة، بخلق منظمة للحزب في كل جماعة، وخلية للحزب في كل قرية، و لجنة للحزب في كل كتيبة. و كان يسمي أعضاء الحزب "المدرّسين-المنتدبين"، لأن مهمتهم كانت تتمثل في تعليم الجنود و رفع مستوى وعيهم المعنوي و السياسي. فبالنسبة لماو فقد كان دائما من الواضح أن «الحزب يقود البندقية، [...] لن نقبل أن تقود البندقية الحزب» (" قضايا الحرب و الإستراتيجية"، نونبر 1938، المختارات، المجلد الثاني).

كانت منطقة تسينغكانغ تشكل  قلعة طبيعية هائلة، حيث أن الطابع الجبلي كان يجعل القليل من الناس فقط يستطيعون المرور منها. كانت تتواجد فيها ما لا يقل عن خمس قرى، لا تتجاوز ساكنتها الإجمالية 2000 شخص. لكن ماو كان يعرف جيدا هذه المنطقة، إذ زارها لمرات عديدة، في إطار تحقيقاته في الريف، لقد كانت منطقة معزولة، مكونة من صخور وعرة و وديان، و محاطة بهضاب غير مسقية، تربتها قاحلة. و لم يكن فيها سوى خمس ممرات جبلية تسمح بالوصول إلى هضبة تسينغكانغ، و كانت ضيقة إلى حد أن القليل فقط من الناس يستطيعون ضمان الدفاع عنها. وقد كان ماو يعرف أن الناس في هذه المنطقة سيدعمون الثورة. إذ أن هؤلاء كانوا فقراء جدا و عموما، ينظر إليه سكان الضواحي باحتقار. و في الوقت نفسه كان لهم تاريخ غني من النضال ضد الملاكين العقاريين. تتشكل أغلبية سكان تسينغكانغ من شعب الهاكا Hakka، التي هي أقلية فقيرة ومن البدو الرحل. و كان الكثير منهم متمردين، كانوا قد سافروا طويلا عبر الجبال. و قد كانوا الوحيدين الذين يعرفون بعض الدروب، التي يشاركون استعمالها مع المهربين. و قد طور ماو الوحدة مع هؤلاء الناس، الذين عملوا بشكل ما كمصلحة للإرشاد لحساب الجيش الأحمر.

الشروط الأساسية بالنسبة لماو لتحقيق النصر هي :

أ‌-                الدعم من طرف الجماهير.

ب‌-            تنظيم الحزب.

ت‌-             جيش أنصار قوي.

ث‌-            مناطق تسمح بتنقل فرق الجيش.

ج‌-             الإكتفاء الذاتي اقتصاديا."

«قواعد الإنضباط الكبرى هي التالية:

أ‌)                 أطيعوا الأوامر في أعمالكم.

ب‌)             لا تأخذوا من الجماهير أي شيء، لا تأخذوا منهم و لا مثقال ذرة.

ت‌)             سلموا للسلطات كل غنيمة.

أما الوصايا الثماني فهي التالية:

أ‌)                 تكلموا بأدب.

ب‌)             إدفعوا بلطف ثمن ما تشترونه.

ت‌)             ردوا كل ما تستدينونه.

ث‌)             إدفعوا ثمن أو عوضوا عن كل ما تتلفونه.

ج‌)              لا تضربوا الناس و لا تشتموهم.

ح‌)              لا تلحقوا الأضرار بالمحاصيل.

خ‌)              لا تستبيحوا النساء.

د‌)                لا تسيئوا معاملة الأسرى.»[7]

4-   كان الجيش الأحمر مشكلا في مجمله من الفلاحين بدون أرض، الهاربين من الجيوش الرجعية و من قطاع الطرق. فإذا كان حقدهم على العدو شديدا، فإن معارفهم السياسية كانت ضعيفة نوعا ما. فالعديد منهم كان يتصرف و كأنه لا زال جزءا من جيش المُضطَهِدين. فالضباط كانوا يصرخون في وجه الجنود، بل و يعنفونهم؛ في بعض الأحيان، و كانت الفرق على وشك التمرد عندما يتم منعها من اللجوء إلى النهب. لكن ماو لم يفقد أبدا الثقة في الجماهير. إذ وضع الطرق و المبادئ لتحقيق تغيير هذا الجمع المختلط من المتمردين ليجعل منها جيشا منضبطا و واعيا سياسيا. يتعلق الأمر إذن بجيش من صنف جديد كليا، بحيث لم يسبق للجماهير الصينية أن رأته حتى ذلك الحين. فقد تعود الفلاحون على اعتبار العسكريين لصوصا، وقتلة، ومُغتصبين و مجرمين. لكن الجيش الأحمر كان في هذا الصدد مختلفا كليا عن الجيوش الأخرى.

وضع ماو المبادئ التنظيمية للجيش الأحمر: فالضباط ينبغي ألا يضربوا الجنود؛ ينبغي أن يحصلوا على نفس الأجر مثلهم؛ للجنود الحق في مناقشة و انتقاد الضباط؛ و كل حسابات الجيش ينبغي أن توضع في يد كل الذين يرغبون في فحصها. و عندما يدخل الجيش الأحمر إلى بلدة ما، كان ماو ينظم على الفور لقاءً مع قاطنيها و قاطناتها. لكن هذا لم يكن دائما سهلا.فأحيانا يغادر الرجال البلدة و يختبئون في الجبال المجاورة، أو أيضا يختبئون في الأدغال، كما يفعلون دائما كلما جاء أي جيش إليهم. لكن ماو أمر جنوده ألا يقتحموا على أي كان، و ألا يأخذوا شيئا ليس لهم. و قد كان هذا السلوك من جانب الجنود غير معتاد – إذ أنه كقاعدة عامة، كانت الجيوش الرجعية تنهب، وتسرق، وتُحرق منازل الناس- الشيء الذي أدى إلى أنه بعد بضعة أيام، كان السكان يعودون إلى منازلهم دون خوف. و كان ماو يتحدث إليهم داعيا إياهم إلى التصرف بهذا الشكل. و كان يوزع عليهم المال و الملابس التي تمت مصادرتها من الملاكين العقاريين. و كان يقول لهم أن هذا الجيش، بالراية الحمراء، هو في الواقع جيشهم، الذي يسعى إلى الدفاع عن مصالحهم و إحراز تحررهم. و قد كان الناس متأثرين إلى درجة أنهم كانوا يأتون بالمؤونة و يستضيفون الجنود. كما قرر البعض منهم الإلتحاق بصفوف الجيش الأحمر. و قد تكر هذا المشهد في كل مكان مر منه الجيش الأحمر.

5-       أصبح العيش في منطقة جبال تسينغكانغ صعبا جدا في شتاء 1927-1928. و كانت المشاكل الأساسية تتمثل في التموين بالغذاء و الملابس.[...] و الجيش الأحمر لم يكن طبعا ليسرق المؤونة من الفلاحين الجائعين أصلا. بل كان يحاول الإتحاد معهم و تنفيذ الإصلاح الزراعي، بمصادرة الأراضي التي كانت في حوزة الملاكين العقاريين و توزيعها بعد ذلك على الفلاحين. و كان ماو أيضا يسعى إلى تنظيم الميليشيات، بحيث يتمكن الفلاحون من الدفاع عن أنفسهم. و قد ساهم الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و 12 سنة كحراس و مراقبين.

و كان ماو يحرص على ألا يصبح وجود الجيش الأحمر عبئا على الفلاحين. فأعضاؤه كان ينبغي لهم أن يشاركوا في العمل الإنتاجي مع الفلاحين، و أيضا أن يحرثوا بأنفسهم أراضي جديدة. كما تمكن الجيش الأحمر أيضا من بناء مستوصف صغير و صيدلية، كان يتم فيها توزيع الأعشاب الطبية، و كان يتم فيها إعطاء دروس في الوقاية و الصحة العمومية. لم يسبق لجيش ما أن ساعد الفلاحين بهذا الشكل. و لم يسبق كذلك لأي جيش أن أعطاهم مثل هذا الأمل.

6- في بداية سنة 1928، أُقيل ماو من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، و تم انتقاده على العمل الذي كان يقوم به في جبال تسينغكانغ. إذ كان قادة الحزب مثل لي لي_سان يواصلون استراتيجية مرتكزة على العصيانات المدنية. لكن ماو لم ينقلب أبدا ضد الحزب، كما لم يتخلى على طريق الثورة في الصين. و نظرا لثقته في صحة وجهة نظره فقد واصل العمل على بناء الجيش الأحمر و قواعد الإرتكاز.

في منطقة جبال تسينغكانغ، طور ماو وجهة نظره حول إستراتيجية و تكتيك الثورة الصينية، خصوصا في الجانب العسكري. فحرب الأنصارو حرب الحركة كانت تشكل الشكلين الأساسيين للنضال من جانب الجيش الأحمر. و باعتبار أن الجيش الأحمر كان أكثر ضعفا من جيوش الحكومة، فقد كان من الغير الممكن تحقيق انتصار سريع. لذا وضع ماو سياسة إستراتيجية لحرب طويلة الأمد تهدف إلى تغيير جذري لموازين القوى. «إستراتيجيتنا هي أن نقاتل "واحد ضد عشرة"، أما تكتيكنا فهو أن نقاتل "عشرة ضد واحد"»[8] . و هذا يعني أن الجيش الأحمر كان ينبغي أن يركز قواته إلى أقصى حد لضمان التفوق العددي أثناء كل معركة يخوضها، بحيث ينتصر فيها، و الحفاظ على قواه الخاصة و تدمير قوى العدو، و بهذا يحقق النصر الحاسم. كما حدد ماو مبادئ أخرى هامة لحرب الأنصار، مثل : «أن ننشر قواتنا بين الجماهير لدفعها إلى التصرف، و نركز قواتنا عندما نواجه العدو»؛ و«إذا تقدم العدو، تراجعنا، وإذا توقف العدو أزعجناه، و إذا تراجع هاجمناه، و إذا انسحب طاردناه».

7-في يناير 1929 غادر ماو منطقة جبال تسينغكانغ مرافقا ب 4000 من المقاتلين لبناء قاعدة  ارتكاز جديدة في الجنوب. و بعد مغادرة ماو تمت مهاجمة المنطقة و كاد أن يتم إخلاؤها كليا. و منذ شهر مارس، لم تبق تسينغكانغشان كما كانت من قبل: لم يستمر فيها سوى بعض الجماعات السرية، بالإضافة إلى الميلشيا الفلاحية السرية التي كان قد تم إنشاؤها فيها. لكن ماو كان قد أنشأ قاعدة ارتكاز جديدة، ضمت فرقا صغيرا للأنصار في إقليم كيانغسي ضمن "الجيش الأحمر الثالث". و كانت قوات أخرى في غرب فوكيان قد شَكلت أيضا " الجيش الثاني عشر". فبالإضافة إلى " الجيش الرابع" الذي كان ماو يقوده أصبحت الآن تحت تصرفه ثلاث جيوش و 10000 من المقاتلين و المقاتلات.

8- كلما تمت إزاحة خط ماو كانت الثورة الصينية تتعرض لهزائم كبيرة. على سبيل المثال، تم إصدار الأمر لماو بالسيطرة على مدينة شانغشا، التي كانت لم تكن فيها الحركة الثورية قوية بما فيه الكفاية في اعتقاده. فتم إرسال قوات الكيومنتانغ بأعداد كبيرة إليها بالإضافة إلى سفن تحمل الرايات الأمريكية و البريطانية و اليابانية و الإيطالية، فقامت بتفجير المدينة، مباشرة بعد أن دخل إليها الجيش الأحمر. فقُتِل و جُرح المئات من المدنيين. فاتخذ ماو قرار الإنسحاب، لتفادي إبادة الجيش الأحمر. فضرب الكيومنتانغ العمال و الطلبة بشدة، و في الواقع كل من اشتبه في كونه شيوعيا كان يعتقل ببساطة ويقتل. و في هذه المناسبة تم إلقاء القبض على زوجة ماو، "يانغ كاي_هوي"، التي كانت مشتركة في العمل السري في شانغشا، و تم إعدامها.

و بشكل عام، فكلما تعرض الحزب لمثل هذه التراجعات، كان ذلك لأن خطا خاطئا يُطبَّق. و في كل مرة كان ماو يعتني بإفهام الجيوش بما حصل، لتواصل النضال بشكل أكثر جدوى. هكذا فبعد أن تعرض الجيش الأحمر لعدة خسائر أثناء بعض المعارك، كانت معنويات العديد من المقاتلين تضعف، و يريدون الرجوع إلى منازلهم. لكن ماو كان يذهب لملاقاتهم للمناقشة و الحوار بصبر معهم، محللا أسباب الهزيمة. و في آخر المطاف كان يتمكن من إقناعهم بالعودة إلى تسينغكانغشان.

9- في سنة 1930، تمكن ماو من إنشاء قواعد ارتكازه في 17 مقاطعة. و في كل هذه الأماكن كانت الأرض يُعاد توزيعها على الفلاحين. و كان يتم اللجوء إلى التربية السياسية للجماهير، التي كانت مدعوة إلى تنظيم نفسها و تَشكيل ميليشيات. فتقوى الحزب و الجيش. و بين شهري نونبر 1930 و نونبر 1931، امتدت قواعد الإرتكاز إلى أن غطت منطقة مجموعها 30000 كلم²، تضم أكثر من ثلاث (3) ملايين شخص، 70 % منهم من الفلاحين الفقراء و بدون أرض، و في نونبر 1931، انتُخب ماو رئيسا لـ"الحكومة السوفياتية في الصين كلها" ، أول حكومة حمراء تُشَكّل من طرف الشيوعيين. و قد وضعت الحكومة الجديدة دستورا ؛ و سنت بعض القوانين حول الإصلاح الزراعي، والشغل، و الزواج، و مساواة النساء؛ كما اتخذت قرارات حول الجيش الأحمر و مسألة الأقليات القومية.

10- و دائما في سنة 1930، شن تشيانغ كاي تشيك أولى "حملات(ه) للإبادة" الخمس ضد الشيوعيين. و رغم أن قواته كانت أكثر بعشر (10) مرات من جيش الشيوعيين، إلى أنها تعرضت للهزيمة أربع مرات متتالية. و رغم أن اليابان قد اقتحمت الصين فقد رفض تشيانغ كاي تشيك مقاتلة التدخل الأجنبي، بل وجه قواته المشكلة من 900000 رجل و 300 مدفعية ضد الجيش الأحمر، الذي كان خلال هذه الفترة يعد بحوالي 140000 رجل، ضعيفي التسليح. اتخذ تشيانغ كاي تشيك السياسة المسماة "الأرض المحروقة"، فكان جيشه يدك كل شيء في طريقه. و في غشت 1933، انطلقت "الحملة العسكرية الخامسة" لـتشيانغ، مدعََّمَة ماديا من طرف الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا العظمى، و معبِّأة أكثر من مليون جندي، و دبابات القتال، و الطائرات. و قد كانت جيوش تشيانغ كاي تشيك تلجأ إلى استشارة الخبراء العسكريين الألمان.  وفي غشت 1934، فقد الجيش الأحمر 40000 شخص و تم تطويقه من طرف الكيومنتانغ. و تقلصت قاعدة ارتكازه الأساسية إلى ست (6) مقاطعات بينما أبيدت كليا قواعده الصغيرة. فكانت الثورة مرة أخرى مهددة بالإبادة. لكن هذه المرة أيضا اتخذ ماو قرارا هاما، في 16 أكتوبر 1934 قاد قواته نحو تراجع كبير، أي العملية التي ستُعرف فيما بعد بـ"المسيرة الطويلة" الشهيرة.

 

الجزء الرابع:

من المسيرة الطويلة إلى تحرير خونان

 

1- في بداية سنوات الثلاثينات (30)، خاض الجيش الأحمر و انتصر في العديد من المعارك ضد جيوش حكومة الكيومنتانغ، و تم إنشاء العديد من قواعد الإرتكاز. و عندما اقتحمت اليابان الصين سنة1932  أعلن الحزب الشيوعي الصيني الحرب ضد المحتلين ودعا الشعب الصيني إلى المقاومة. لكن الفيالق التي يتزعمها تشيانغ كاي تشيك رفضت مقاتلة اليابانيين، مرتمية عوض  ذلك في هجمات شرسة ضد الجيش الاحمر، وفي سنة 1933 أطلق الكومينتانغ حملة التطويق والابادة الخامسة ضد الشيوعيين بدعم من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا و توجيهات الخبراء الألمان،فتمت تعبئة مالا يقل عن مليون جندي مجهزين بالدبابات والطائرات المقاتلة ، ضد الجيش الاحمر.

ويوم 16 اكتوبر 1934 أرغِم ماو والجيش الاحمر على القيام بتراجع استراتيجي نحو إقليم كيانغشي، وقد شكل هذا البداية الاكثر إدهاشا وبطولية وتحميسا في الثورة الصينية: "المسيرة الطويلة" الشهيرة.

فالجيش الاحمر، المشكل من العمال والفلاحين ثم إنهاكه بعد شهور من المعارك، لكن تمكن من الوقوف ومواجهة رشاشات الكيومينتانغ وتجاوز الاسلاك الشائكة، إذ خيضت تسع معارك ضد فيالق الكيومينتانغ المائة هلك خلالها 25000 جندي من الجيش الاحمر. بقي الآلاف من الفلاحين في الخلف وبقيادة عدد قليل من جنود الجيش الأحمر قاتلوا حتى النهاية وقد أبطأت بطولتهم تقدم  العدو وسمحت لماو وللجيش الاحمر بالانسحاب.إنظم العديد من الفلاحين الى المسيرة التي قام بها الجيش الاحمر شبابا وشيوخا، رجالا ونساءا، شيوعيين و"لاحزبيين" أطفالا مراهقين بين 12 و 13 قدموا للخدمة كجنود مراسلة، عمال مطبخ، وناقلين، ونافخي بوق.

2- على طول المسيرة إعتاد الجيش الأحمر على مواجهة هجمات متواصلة . يحكي أحد الجنود كيف كان يجري ذلك:«كنا نناضل كل يوم، كنا اقل عدد منهم كثيرا كل ما كنا نستطيع القيام به هو تحميس جرأتنا ، كنا نغني باستمرار هذا المقطع"الجيش الاحمر لا يخاف الموت ، كل من يخاف الموت ليس عضوا في الجيش الأحمر" كنا متعبين جدا الى حد أننا كنا نتعاضد حتى لا نسقط... كنا ننام ونحن واقفين، وكذا ننام ونحن نمشي، ولا نفكر سوى في شيء واحد: النوم ! لكن كنا لا نتوقف لننام ... فالأكثر قوة كانوا يجرون الأكثر ضعفا لم نكن نريد أن يجرجر أحد قدميه. كنا نربط بعضنا بعضا في خط بواسطة حبل لنتاكد من ان الكل يتبعنا. وكنا نسمي هذا النوم الطائر ( le sommeil volant) « ويحكي جندي آخر تجربته بالعبارات التالية : «عندما كنا في ميدان العدو ،كنا عادة نسير ليلا لتفادي الهجمات الجوية وكان المشهد يكون أحيانا مدهشا، خاصة عندما يكون الجو صحوا بحيث لايكون هناك سوى نسيم خفيف ونستطيع رؤية النجوم . وعندما تكون فيالق العدو أكثر بعدا كنا نغني بشكل جماعي في طريقنا من قرية الى أخرى . وعندما يكون الوضع شديد الظلمة كنا نوقد مشاعل من أغصان الصنوبر أو الخيزران كان ذلك رائعا حقا ! وعلى سفح الجبل كنا نستطيع رؤية عمود هائل مضاء كان يعطي الانطباع بتنين جموح ومن القمة كنا نرى المشاعل على كيلومترات من جميع الجهات كان ذلك مثل موجة من نار أو بريق أمل صاحَبنا طوال المسيرة ".

3 – وفي يناير 1935 بلغ الجيش الأحمر تسونيي فعقد قادة الحزب مؤتمرا هاما . حيث انتُقد فيه بشدة الخط العسكري الذي دفع الجيش الأحمر إلى عدة هزائم . ففرض إذن الخط العام العسكري والخط السياسي العام الذي كان يدافع عنه ماو و أصبح ماو نفسه القائد الرئيسي للحزب وإلى هذه اللحظة لم يسبق لخط ماو أن كان سائدا وكان ماو يعتقد أنه ينبغي خوض حرب حركة(une guerre de mouvement)  بمعنى انتظار أن تكون الوضعية ملائمة قبل الهجوم وجر العدو إلى الداخل ودفعه إلى ارتكاب أخطاء كفيلة بكشف نقاط ضعفه . وكما رواه عدد من جنود الجيش الأحمر "كان الرئيس ماو يجد دائما الطريقة لجر العدو إلى القيام بما كنا نريده وكان يسمي ذلك أخذ المبادرة وبالفعل كان ماو يسوق العدو من شحمة أذنه "

وفي تسونيي حدد ماو من جديد المهام الأساسية للجيش الأحمر : القيام بالدعاية وسط الجماهير تنظيمها وتعليمها ومساعدتها على خلق مؤسسات سياسية شعبية وقد كشف أخيرا للجنود غاية المسيرة الطويلة: الشمال- الغربي للصين للعمل على مقاتلة اليابان.

وتحت قيادة ماو تحول هذا التراجع الاستراتيجي الذي هو المسيرة الطويلة إلى انتصار وجد الجيش الأحمر نفسه بعده في وضع أفضل من أي وقت سابق وعندما غادر الجيش الأحمر تسونيي التحق حوالي 4000 من الفلاحين والفلاحات من المنطقة بالمسيرة.

 يحكي أحد الجنود: " كنا نعقد تجمعات كبيرة للجماهير. وكان " فيلقنا للدراما " يقدم مشاهد مسرحية وأغاني، بينما كان جنود آخرون يكتبون الشعارات ويوزعون نماذج للدستور والقوانين الأساسية للحكومة السوفياتية. ومنذ أن تكون لنا إمكانية المكوث لأكثر من ليلة واحدة في مكان ما، كنا نستغل ذلك الوقت لتعليم الفلاحين كتابة على الأقل ستة حروف:« لندمر التوهاوtuhao» (أي النبلاء الإقطاعيين و الملاكين العقاريين) و « لنقتسم الأرض». و قد كان الفلاحون يجدون دائما طريقة لمساعدتنا، بالاعتناء بالمرضى، و الجرحى، أو الذين تعبوا من مواصلة السير. و كان كل من الجرحى الذين كنا نضطر لتركهم في مكان ما يتوفرون على قدر من المال، و المؤونة و سلاح ناري، و كنا نعطيه توكيل قيادة الفلاحين لمواصلة حرب الأنصار، منذ أن تطرح".

« إن المسيرة الطويلة هي بيان. لقد أكدت للعالم كله أن الجيش الأحمر هو جيش أبطال، بينما الإمبرياليون و كلابهم المتذللة مثل شيانغ كاي تشيك، عاجزون... و المسيرة الطويلة هي أيضا أداة للدعاية، لقد بينت لحوالي 200 مليون شخص في إحدى عشر مقاطعة مختلفة أن طريق الجيش الأحمر هي الوحيدة القادرة على أن تقود إلى التحرير. فكيف كانت الجماهير العريضة تستطيع استيعاب الحقيقة الكبيرة التي يجسدها الجيش الأحمر، بدون المسيرة الطويلة؟ فالمسيرة الطويلة هي في آخر الأمر آلة للزرع،إذ زرعت بذورا ستنمو في كل المقاطعات الإحدى عشر التي مرت منها لتعطي الأوراق و الزهور و الثمار التي يمكننا جنيها في المستقبل. و بكلمة، انتهت المسيرة الطويلة إلى انتصار لنا و هزيمة للعدو. فمن قاد المسيرة الطويلة إلى النصر؟ إنه الحزب الشيوعي الصيني. فبدون الحزب الشيوعي الصيني لم تكن لتُتَصور مسيرة طويلة من هذا الصنف.» ماو تسي تونغ .

 

5- كمنت فيالق الكيومنتانغ على طول نهر تاتو، حيث كانت تنتظر الجيش الأحمر بنية القضاء على صموده و مقاومته، إذ كان كاي تشيك يتوعد بوقف تقدم من كان يسميهم " قطاع الطرق الحمر"، كما كان الأمر أثناء انتفاضة الفلاحين سنة 1864. و قد شكل عبور نهر تاتو الرهان الأكثر أهمية في المسيرة الطويلة كلها، فلو لم يتمكن الجيش الأحمر من تحقيق هذا الهدف، كان من المحتمل أن يشكل ذلك نهاية المسيرة الطويلة و بالتالي نهاية الثورة كلها بعد ذلك.

كانت فيالق الكيومنتانغ قريبة من الجيش الأحمر عندما بلغ نهر تاتو. و قد كانت الطريقة الوحيدة لجيوش ماو لعبور النهر بسرعة دون أن تحاصر هي أن تمر عبر جسر ليتنغ شياو، على بعد حوالي  160كلمتر من ذلك المكان. في حين  كان الكومنتانغ قد تمكن من إحكام السيطرة على المدينة الموجودة قرب الجسر، فاضطر الجيش الأحمر أن يسير ليل نهار للوصول إلى الجسر، إذ كان لا يتوقف إلا لاستراحات قصيرة لبضعة دقائق، و هو الوقت الكافي لتجديد القوى، وخلال هذه الاستراحات كان المربون السياسيون يستغلون ذلك الوقت لتذكير الجنود برهانات هذه العملية، داعين إياهم إلى بذل جهد كبير أخير لتحقيق النصر.

كان الجسر المعني قديما بعدة مئات من السنين، وكان يتشكل من ستة عشر سلسلة ثقيلة جدا من الحديد تربط الضفتين، و وُضعت عليها أعمدة سميكة من الخشب. لكن الكيومنتانغ كان قد أزال الأعمدة الخشبية عن حوالي نصف الجسر، و في النصف الآخر كمن حراس مسلحون برشاشات منتظرين وصول الجيش الأحمر و محاولته عبور الجسر..سأل ماو إن كان هناك متطوعون للمخاطرة بحياتهم، فكان الثلاثون  شخصا الذين اختيروا في البداية مسلحين بقنابل يدوية و مسدسات، فاندفعوا للهجوم عابرين الجسر كتفا لكتف، متمسكين بالسلاسل و طيلة هذا الوقت كان جنود الكيومنتانغ و الجيش الأحمر يتبادلون إطلاق النار من الرشاشات من ضفة إلى أخرى.

أصيب البطل الأول الذي اندفع إلى الجسر فسقط في النهر، و تبعه الثاني، و بعده الثالث. فأصيب جنود الكيومنتانغ بالريبة: أي صنف من الجنود يواجهون؟ هل هم حقا بشر؟ أم يتعلق الأمر بآلهة، أم فقط بساخطين طائشين؟ من الجلي أنهم لم يكونوا جنودا عاديين يقاتلون من أجل قدح من الأرز. وبعد عدة محاولات تمكن أخيرا أحد الجنود من بلوغ الجزء الثاني من الجسر، و ألقى قنبلة أصابت الهدف: تحصينات العدو. بعدها أطلقت فيالق الكيومنتانغ النار على الجسر، لكن عددا أكثر فأكثر من الجنود كانوا يتمكنون من عبوره ملقين بالقنابل كالأمطار في اتجاه العدو فأصيبت أغلبية جنود العدو بالهلع و فروا، باستثناء حوالي مائة منهم استسلموا أخيرا و التحقوا بالجيش الأحمر. و قد حُررت المدينة إلى أن علق بعض الفلاحين المحليين قائلين أن أرواح شهداء انتفاضة تايبينغ قد تم أخيرا  الانتقام لها.

 

6- انتهت المسيرة الطويلة في شمال إقليم شينشي، قرب السور العظيم، يتعلق الأمر بمنطقة مٌُقفرة و قاحلة وجبلية، إذ كانت الأرض فيها مدمرة جدا و التراب غير ذي جدوى إلى حد أنه كان يبدو أن لا أحد بمستطاعه العيش فيها. لكن ضد كل منطق، كان يعيش فيها ما لا يقل عن مليونين من الأشخاص في مغارات مليئة بالفئران و الذباب. و قد حيى هؤلاء الفلاحين و الفلاحات، الذين و اللواتي كانوا و كن فقراء و فقيرات، وصول ماو و الجيش الأحمر حاملين مستقبلا أفضل.

ومع نهاية سنة 1936، انتقل ماو وجنوده الى يانان، التي أُعلنت عاصمة لـ " المنطقة الحدودية تشينسي- كانسو- نينغشيا، التي عاش فيها ماو في مغارة من ثلاث حُجَر، على منحدر جبل، تضم غرفة للنوم وغرفة للدراسة وأخرى للضيوف. ولم يكن يمتلك سوى زوجا من البدل، ومعطفا محشوا، ولم تكن له أي ثروة أخرى في ملكه. وفي يانان اهتم ماو بإعادة بناء الجيش الأحمر والحزب الشيوعي الصيني، بهدف ليس فقط تحقيق النصر في حرب التحرير ضد اليابان بل ايضا لوضع الأسس من أجل دك الكيومنتانغ والاستيلاء على السلطة في البلد  كله.

 

7- وقد عبَّر ماو دائما عن أهمية خلق ونشر قواعد الارتكاز، بحيث يتمكن الجيش الأحمر من تقوية نفسه و كسب دعم الفلاحين و الفلاحات. أصبحت يانان حصنا قويا للجيش الأحمر،إذ فيها تم تدريب و تكوين و تنظيم أكثر من مائة ألف من كوادر الحزب، تحت قيادة ماو. ومنها أيضا قاد ماو فيالق الجيش الأحمر عبر الصين كلها.

قدم الآلاف من العمال و الفلاحين و المثقفين إلى يانان قادمين إليها من البلاد كلها، نفس الشيء مع ممثلي الأقليات القومية – منغوليين، مسلمين، تيبيتيين و أعضاء قبائل مياو و لولو- الذين أتوا هم أيضا، و كل هؤلاء "المهاجرون" الذين كانوا يأتون إلى يانان كان ينبغي لهم عبور الحواجز، و الأسلاك الشائكة، و الخنادق التي حفرها اليابانيون و الكيومنتانغ. و كان أولئك الذين يتم القبض عليهم يعذبون و يرسَلون إلى معسكرات الاعتقال، إذا لم يتم إعدامهم ببساطة. لكن في كل يوم كان أشخاص جدد يباشرون الرحلة المحفوفة بالمخاطر نحو يانان، مقتنعين بما يعنيه هذا المكان لهم من مستقبل أفضل. إذ شكلت يانان حقا مركزا للتنظيم انطلق منه الشعب الصيني و الجيش الأحمر لخوض نضال  من أجل دك الإمبريالية و الاستيلاء على السلطة، و في هذه المنطقة المحررة تم بناء مجتمع جديد، زارعين بذور الاشتراكية القادمة.

 

8- بعد أن فرض اليابانيون حصارا  اقتصاديا على المناطق المحررة سنة 1941، أطلق ماو حملة كبرى لتطوير الإنتاج في هذه المناطق، إذ دعا الناس إلى أن ينظموا أنفسهم بحيث يصبحون مستقلين ذاتيا على المستوى الاقتصادي. فتم تشييد معامل في ما لم يكن سوى أكواخ، و حتى في المغارات، دون الحديث عن المعابد القديمة التي غادرها مسؤولوها. فعمل عشرات الآلاف من الأشخاص في ورشات صغيرة كانت تُصنَع فيها البطاريات، و الحبال، و فرشاة الأسنان، و الصابون، و عود الثقاب و الورق، و منتوجات أخرى من نفس الصنف، وضرورية للحياة العادية. وكان معمل السلاح ينتج أيضا قنابل يدوية ومتفجرات ( رغم أن مجمل الذخيرة المستعملة من طرف الجيش الأحمر استمرت تأتي من صفوف العدو). كما بدأ سك العملة، التي كتبت عليها شعارات مثل " لتسقط الحرب الأهلية " " لنتحد من أجل مقاومة اليابان" و " عاشت الثورة الصينية ".

أثناء هذه الفترة تشكلت تعاونيات وفرق تعاضدية، لدفع الفلاحين الى العمل بشكل جماعي، واقتسام أدواتهم ودوابهم. كان ماو يؤمن انه إذا لم تُستبدل الأساليب القديمة الفردية للإنتاج بأساليب جماعية جديدة، سيكون من المستحيل تطوير الإنتاج بالشكل اللازم. وفي المناطق الأخرى من الصين خصوصا المحتلة من طرف اليابان وتلك التي كان يسود فيها الكيومينتانغ، كانت الجماهير الصينية تعاني فعلا من الجوع وكانت تعيش أوضاعا مزرية. بينما في المناطق المحررة لم يكن الناس يلبون حاجياتهم وفقط، بل كانوا يتعلمون العيش والعمل بشكل مختلف، بشكل جماعي، اشتراكي.

9- أكد ماو باستمرار على أهمية عمل التنظيم السياسي بين الجماهير، هكذا تمكن الأكثر تعرضا للاضطهاد من بين المضطهدين – الذين أُهينت كرامتهم حتى تلك اللحظة- من البدء في أخذ السلطة بين أيديهم. ففي يانان تشكلت عدة جماعات ثورية من كل الأصناف، شاملة جوانب مختلفة من الحياة: منظمات نسائية، منظمات للشباب، للعمال، للفلاحين، للتلاميذ، ولكبار السن. بل كانت هناك أيضا جمعية " للمقعدين" الذين كانوا يجتمعون لممارسة النقد الذاتي ومحاولة الانخراط في العمل المنتج.

كما ذهب عدد من الممثلين والكتاب والمثقفين الى يانان . وفي سنة 1942 القى ماو سلسلة أحاديث مدوية حول الروابط بين الفن والثورة. إذ كان يسعى الى تشجيع الممثلين والكتاب لإنجاز أعمال كفيلة بخدمة الشعب. وكان يقول أن الممثلين ينبغي لهم أن يعرفوا ويفهموا حياة الشعب، إذا كانوا يرغبون في التمكن من إنتاج فن ثوري. ومن بين الممثلين الذين ذهبوا الى يانان ينبغي الإشارة الى شيانغ شينغ، وهي ممثلة كانت قد التحقت بصفوف الحزب سنة 1933، وبعد وصولها الى يانان سنة 1937 التحقت بفرق الدعاية التي كانت مكلفة بالذهاب الى القرى لعرض مقاطع مسرحية للفلاحين. و في يانان التقت لأول مرة بماو، و أحبا بعضهما البعض و تزوجا قي أبريل من سنة 1939.

 

10- في الشمال الغربي من الصين، كان الملاكون العقاريون و الموظفون و التجار وحدهم من يعرفون القراءة و الكتابة، قبل وصول الجيش الأحمر إلى هناك. حيث كانت نسبة الأمية تصل إلى 95%، فأصر ماو على ضرورة تطوير برامج للتعليم في المناطق المحررة. إذ تم تعليم جنود الجيش الأحمر أنفُسَهم القراءة و الكتابة. و نظرا لعدم وجود ما يكفي من الورق، كان ينبغي للناس أن يتعلموا بالكتابة على الرمل. و كان الجنود يلصقون لبعضهم البعض قطعا من الورق على الظهر كُتبت عليها كلمات باللغة الصينية للاستمرار في التعلم عندما ينتقلون في شكل صفوف متوالية. وكان ماو يؤمن أن التكوين ينبغي أن يرتبط بحل إشكالات الممارسة الاجتماعية. هكذا كان يريد "ربط النظرية بالممارسة"، سواء تعلق الأمر بتربية الخنازير أو بغرس الأشجار، أو بحفر الآبار و أيضا بخوض معركة عسكرية.

و بفضل هذه الحملات ضد الأمية تمكنت الجماهير من تعلم أمور كثيرة حول الثورة. كما تعلم الأطفال القراءة و الكتابة بواسطة شعارات ثورية بسيطة و حكايات مرتبطة بالصراع الطبقي. مثل "من هذا؟" "هذا رجل فقير" "ما هو العلم الأحمر؟" "العلم الأحمر هو علم الجيش الأحمر" " ماهو الجيش الأحمر؟" " الجيش الأحمر هو جيش الفقراء"، هذا مثلا درس نموذجي للأطفال. و عندما انتهاء الدرس يكون الطلبة قادرين ليس فقط على القراءة لأول مرة في حياتهم بل و يعرفون فوق كل شيء من كان يعلمهم، و لماذا كان يفعل ذلك. كان هؤلاء الناس يناضلون من أجل تعلم الأفكار الأولية للصراع الطبقي و الشيوعية.

 11- في يانان كما في كل المناطق المحررة كانت الحياة بشكل عام متخلفة و بدائية، لكن العلاقات الاجتماعية التي كانت تسود فيها، كانت الأكثر معاصرة و الأكثر ثورية في الصين كلها. فالوحشية و الفقر اللذان تتسم بهما الإقطاعية كانا يفقدان جذوهما فيها. فحياة أولئك الذين و اللواتي لم يكونوا يملكون شيئاً من قبل، تم تغييرها بشكل جذري. كما أن استهلاك الأفيون، و ممارسة "الأقدام المربوطة" (التي كان يتم بها كسر و ربط أقدام الفتيات حتى يحافظن على هيئتهن "ناعمة و أنثوية" طيلة حياتهن)، و قتل الأطفال، و عبوديتهم، و دعارتهم: كل هذه الممارسات و "الأعراف" تم القضاء عليها، نفس الشيء في العلاقة مع الدين و الخرافات و السحر التي عُوضت بالمعرفة العلمية و الثورية. أما الملاكين العقاريين فلم يكن يُسمَح لهم بالعيش على حساب الشعب. كما تم القضاء على الضرائب أو تقليصها بشكل كبير. و أُعطيَّت الأراضي للفلاحين الجائعين، وأتيحت الفرص لكل واحد و واحدة للمشاركة في الإنتاج.

أكد ماو باستمرار على أن الثورة يجب أن تحرر أيضا الجماهير النسائية التي كانت  تعاني اضطهادا وحشيا في ظل الإقطاعية. هكذا أصبح بيع و شراء الزوجات و العاهرات ممنوعا داخل المناطق المحررة و أُلغيَّ "الزواج المرتب" الذي كان فيه الآباء يختارون أزواجا لبناتهم. و لأول مرة في الصين أصبح الزواج سلوكا مبنيا على الرضا الحر، فالرجال و النساء الذين و اللواتي كانوا و كن يعيشون و يعشن في علاقات ملتزمة ( بدون زواج) كان يتم اعتبارهم على نفس مرتبة الأشخاص المتزوجين، لم يكن هناك أطفال "غير شرعيين"، و عندما ينفصل الاثنان كانت ثروتهم تُقتسم بالتساوي فيما بينهما، و ينبغي لهما الاعتناء بالأطفال لكن  على الزوج أن يتحمل كل الديون المُقترضة من طرفهما معا، و المساهمة بنسبة الثلثين في المصاريف المرتبطة بنفقة الأطفال.

12- كل هذا جعل أن يانان أصبحت المركز الضخم للحركة الهادفة إلى توسيع المناطق المحررة. فبعد تلقيهم للتداريب في يانان، كان جنود الجيش الأحمر و المناضلين و المناضلات الآخرين و الأخريات ينتشرون عبر الصين كلها لقيادة النضال من أجل تحرير المناطق الأخرى. و في سنة 1945 أي عشر سنوات بعد نهاية المسيرة الطويلة أُنشأت تسعة عشر قاعدة ارتكاز في تسع  مقاطعات، و هو ما يعني أن حوالي مائة مليون شخص كانوا يعيشون تحت قيادة شيوعية.

و لو لم تكن هناك قاعدة ثورية كتلك التي كانت في يانان لما كان ماو و الجيش الأحمر قادرين على مواصلة الصراع ضد اليابانيين و الكيومنتانغ و الاستيلاء على السلطة على صعيد البلد. فمنذ البدايات الأولى للثورة الصينية، استوعب ماو أهمية خلق قواعد ارتكاز من هذا الصنف، التي يجب الاستناد عليها لتهيئ انطلاق الحرب الثورية. لقد مارس ماو القيادة النظرية و السياسية للجماهير من أجل تحرير الأرض و خلق قواعد ارتكاز، مما ساعد الجيش الأحمر على تحويل الوضعية المتخلفة للصين إلى قوة من أجل الثورة.لذا كان المُضطَهِدون أياَّ كانوا يكرهون نموذج يانان و بالمقابل و على عكس ذلك كانت يانان بالنسبة للجماهير الفقيرة أملها. إذ فيها غرست بذور مستقبل أفضل، متحرر من الوحشية و الفقر، و انتشرت و ترعرعت في الصين كلها. 

 

               

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجزء الخامس

ماو المحارب 1936-1945

 

1-  هذا الجزء من تاريخ حياة ماو يبين كيف أن ماو نجح في قيادة جيش كبير مكون من فلاحين فقراء و عمال الى النصر ضد جيش (جيش الحكومة) أكثر تجهيزا و مستند الى أكبر قوة امبريالية في العالم-الولايات المتحدة. حارب الثوار بقيادة ماو الحزب المكروه الكيومنتانغ لتشيانغ كاي تشيك لمدة سنيين عديدة. و قد أقام الجيش الأحمر قواعد الارتكاز حيث سلح و حرر الشعب. و لكن اضطر جنود ماو إلى الدفاع باستمرار ضد هجمات الكيومنتانغ.

في سنة 1932، حدث شيء ذو أهمية كبيرة: اجتاح الجيش الإمبريالي  الياباني الصين، و احتل جزءا مهما من البلاد. مما جعل ماو يطور إستراتجية  جديدة لمتابعة الثورة على ضوء هذه الحالة الجديدة. لقد اعتبر ماو دائما الصين كبلد مضطهد من القوى الامبريالية الخارجية. و لكن بما أن إحدى هذه القوى اجتاحت البلاد كلها تقريبا، اقتنع على أن الثوار يجب أن يناضلوا من أجل أن يتحد الشعب كله ضد هذا الاعتداء. لقد رأى على أن الوقت قد حان  لشن حرب التحرير الوطنية و أنه بعد الآن من الممكن دفع الكيومنتانغ على إيقاف هجماته ضد قواعد ارتكاز الجيش الأحمر و الالتحاق بالجبهة المتحدة ضد اليابان.

طيلة عشرات السنين كاملة، كانت الصين  مسيطرا عليها من طرف قوى خارجية كبريطانيا العظمى و الولايات المتحدة. و الآن، جاء دور اليابان لكي تحاول أن تجعل من هذا البلد مجرد مستعمرة.  كانت جماهير الشعب الصيني تأمل أن تناضل حكومة الكيومنتانغ ضد اليابان و بالتالي أن تضع حدا للحرب الأهلية ضد الشيوعيين. حتى داخل الكيومنتانغ،  وقد عارض بعض  القياديين  خط تشيانغ كاي تشيك  الذي تمنى ״إنهاء التهدئة الداخلية قبل بدء المقاومة ضد الاحتلال الخارجي״. و قد اعتبر بعض القياديين داخل الحزب الشيوعي أن الحزب لا يجب أن يقوم بأي محاولة للتقرب من الكيومنتانغ. و على العكس من ذلك، كان آخرون مستعدين للالتحاق بدون شرط. و بالنسبة لماو، فكان يرى أن من الضروري خلق جبهة متحدة لمواجهة اليابانيين و التي يمكن أن تضم حتى بعض الفصائل من البرجوازية الكبيرة و بعض الملاكين العقاريين الاقطاعيين. و لكن و في نفس الوقت كان واضحا لماو على أن الحزب الشيوعي يجب أن يناضل بثبات  من أجل الحفاظ على استقلاله السياسي و العسكري و الحفاظ بالتالي على قوة المبادرة داخل الجبهة المتحدة.

״انتصار حركة التحرر الوطني في الصين يعد جزءا لا يتجزء من انتصار الاشتراكية في العالم، لان الاطاحة بالامبريالية في الصين  تعني تحطيم أحد معاقلها״(ماوتسي تونغ)

 

2- في دجنبر 1936، قاد تشيانغ هسوه ليانغ،  وهو قائد كبير في الكيومنتانغ، عصيانا ضم 170000 رجلا ضد تشيانغ كاي تشيك الذي تم اعتقاله. بعد لقائه لبعثة الحزب الشيوعي و وعدها بأنه سيكف عن هجماته على الجيش الأحمر، تمكن تشيانغ كاي تشيك من الحصول على حريته.

كانت الجبهة المتحدة تضم العمال و الفلاحين و البرجوازية الصغيرة الحضرية و ״حتى كل الطبقات الأخرى الراغبة في المشاركة في الثورة الوطنية״. من أجل تحقيق وحدة أكثر اتساعا، كان يجب بطبيعة الحال القيام ببعض التغييرات. فأعيد تسمية الجيش الأحمر ب״جيش الطريق الثامن״ و تم دمجه شكليا داخل الجيش الوطني لتشيانغ كاي تشيك. راغبا في توحيد أكبر عدد من القوى الممكن –باستثناء الملاكين العقاريين- ضد المعتدين اليابانيين، قام الحزب   باعادة النظر في سياسته إزاء الإصلاح الزراعي. فتوقف الاستيلاء على الأراضي في ملكية الملاكين العقاريين  بالأولى من أجل القيام بالحملة في صالح تخفيض الكراءات و الضرائب المفروضة على الفلاحين. لكن ماو كان يؤكد على أنه من أجل انتزاع بعض الإصلاحات كان لابد من الاستمرار في تنظيم الجماهير و القيام بالنضال ضد الملاكين العقاريين.[...] من وجهة نظره، ستتكون تعبئة الفلاحين القاعدة من أجل أن يتحمل الشعب مسؤولية تطور الإنتاج بالشكل الذي يساند الحكومة و الجيش الثوريين.

كان تشيانغ كاي تشيك يأمل بأن يخضع ماو لقيادة الكيومنتانغ، و يفرض عليه أن يفكك الجيش الأحمر و يوضع تحت مراقبة الكيومنتانغ. ولكن بالنسبة لماو كما رأينا ״بدون جيش شعبي، لا يملك الشعب شيئا״. على طول الحرب، لم يتنازل ماو أبدا عن قيادة مقاتليه.

3-  بينما كان ماو يقود الشعب في معارك ضارية ضد اليابانيين، كان تشيانغ كاي تشيك لا يقوم بالتعبئة الفعلية لمقاتليه، إلا لمهاجمة الشيوعيين بطبيعة الحال. و في إحدى اللحظات، قام 50000 من جنود الكيومنتانغ بمحاصرة 9000 من رجال ماو، حيث قضى 4000. في بعض الأحيان، كان مقاتلو الكيومنتانغ يتعاونون بشكل مكشوف مع العدو الياباني، أو يستسلموا بدون حتى أن يقاتلوا. في عام 1944، تم الوقوف على أن 60% من 425000 جندي صيني الذين يحاربون من جانب اليابانيين كانوا جنودا و ضباطا سابقين في الكيومنتانغ.

أطلق اليابانيون حملة تهدف إلى ״قتل الكل و إحراق كل شيء״ في طريقهم، الشيء الذي أدى   إلى مقتل زهاء 30 مليون صينية و صيني. كانت المناطق التي يتحكم فيها ماو مستهدفة بشكل خاص من طرف اليابانيين. في ممر من حوالي عشرين كيلومترا حول قواعد الارتكاز بقيادة الشيوعيين، انهمك العدو في قتل كل الرجال وترحيل النساء و الأطفال ثم إشعال النيران بشكل ممنهج في المنازل و المحصولات. في 19 دسمبر 1937، دخل المقاتلون اليابانيون الى نانكين، مركز القيادة العامة للكيومنتانغ،اندفع  حوالي 50000 من جنود العدو في  عربدة  حقيقية من الاغتصاب و القتل و السرقة من كل الأصناف. في أقل من أربعة أسابيع، أطاحوا بأكثر من 300000 ضحية. قطع الجنود اليابانيون رؤوس الرضع و اغتصبوا آلاف النساء من الفتيات الشابات الى الجدات الأكبر سنا. ُوضع آلاف الرجال في صفوف و اعدموا فورا. و أخيرا تم رش آخرين بالكيروزين و إحراقهم أحياء. كان يتعلق الأمر بالفعل بحرب حمقاء و شرسة و التي تهدف إلى السيطرة التامة على الشعب الصيني و كسر كل ارادة في المقاومة.

4-      لقد رد ماوتسي تونغ على التقتيل الذي يتعرض له الجماهير بوضع قيادة جريئة: ״يجب أن نوسع حرب العصابات في كل المناطق المحتلة من طرف العدو و تحويلها إلى قواعد خلفية من أجل جعلها جبهات للقتال و حمل العدو على أن لا يكف على القتال داخل المناطق التي يحتلها. ״ كون ماو فرقا صغيرة من مدربين و دعاة من الحزب ذهبوا ينشرون الأمل و روح النضال عبر كل أنحاء الصين. من قرية الى اخرى، كانت تعمل هذه الفرق على أن توحد الشعب في النضال ضد العدو. أصبح للناس الحق في التصويت و التسيير. و الكراء  و الضرائب التي كان على الفلاحين تحملها تم تخفيضها. و أصبح في مصلحة الملاكين العقاريين أن يظهروا صغارا...تم تنظيم العاطلين عن العمل، بينما غدا الشباب و النساء لأول مرة مشتركين في الحياة السياسية. و تكونت مجموعات الدفاع الذاتي، و أُقيمت برامج لتربية الجماهير. كان ماو يلح على تطوير الاكتفاء الذاتي الاقتصادي في كل مكان، و قد بادر الى مجموعة من الحملات لتطوير الانتاج حتى يستطيع الشعب و الجيش أن يحصل على الأكل بشكل كافي.

 

״المهمة المركزية و الشكل الأرقى للثورة هو الاستيلاء على السلطة عن طريق النضال المسلح، انه حل المسألة بالحرب. ״ ماوتسي تونغ، «مسائل الحرب و الاستراتيجية»، نوفمبر 1938، الأعمال المختارة المجلد الثاني.

 

5-كلما ذاع صيت عمل جيش الطريق الثامن، يسافر العديد من الأشخاص عبر المئات من الكيلومترات من أجل الالتحاق بالمعركة. حمل الفلاحون معهم رموحا بدائية و قنابل يدوية و فؤوسا. و جاء طلبة و عمال و ميكانكيون من المدن المحتلة من طرف اليابان و التحموا في حرب المقاومة. كما أن العديد من الأطفال شاركوا في المعارك: يتامى و متسولين و المشردين و أبناء المدمنين.

 نشر ماوتسي تونغ مجموعات صغيرة من الجنود مكلفين بالتقدم عبر خطوط العدو و الانتشار في الوديان و السهول و قرى كل منطقة.  كانت مهمتهم تنظيم و تدريب و قيادة آلاف الملتحقين المنحدرين من الفلاحين و الذين يرغبون في امتلاك الأسلحة و اعطائهم تعليمات من أجل القتال. كانت كل من المجموعات المكونة من طرف ماو  محاطة بفصائل من الميليشيا الفلاحية الذي كان عليها العيش معهم ومشاركتها في الانتاج بالنهار و قتال العدو بالليل. و هكذا تم استدعاء أحسن المقاتلين و القادة من داخل الميليشيات الفلاحية من أجل الالتحاق بجيش الطريق الثامن.

6) في المناطق المحتلة من طرف الكيومنتانغ، كان الشعب يعاني من الجوع. من أجل درء خطر أي تمرد، أقام تشيانغ كاي تشيك النظام المسمى ״باو-تشيا״ الذي استعمل البنيات العائلية التقليدية لتقوية المسؤولية المشتركة. كان على مختلف الطوائف أن تتحمل المسؤولية جماعيا على تصرفات و نشاطات كل أعضائها. كان على الناس التجسس بشكل ممنهج على جيرانهم. و منذ اللحظة التي يشتبه في شخص بانتمائه للحركة الثورية، كانت كل الطائفة تعاقب. كذلك كانت تقام إعدامات للجماهير تحت أمر: ״من الأحسن قتل 100 شخص بريء بدل ترك شيوعي واحد يفلت. ״

أرسل ماوتسي تونغ وحدات من الأنصار لتنظيم الجماهير، باستثناء المناطق المحتلة من طرف الكيومنتانغ. كانت مجموعات سرية من المتطوعين مكلفة بجمع المؤونة و جلبها إلى المناطق المحررة. لقد تأسست منظمة سرية للحزب التي لم تظهر إلى واضح النهار إلا بعد أن أصبحت الفرق المحلية الوطيدة مستعدة للثورة لتحرير المدينة. و أرسل ماو كذلك مثل هذه المجموعات إلى المناطق المحتلة من طرف اليابان. كان يتعلق الأمر في بعض الأحيان فقط بمجموعات صغيرة مكونة من ثلاثة أو أربعة جنود التي كانت مهمتهم اختراق مناطق العدو و القيام بعمل التربية و التعبئة و الاستقطاب بين الجماهير. بهذه الطريقة، يمكن ضمان على أن لا يستطيع اليابانيون أبدا تهدئة الشعب الصيني.

7) تحت قيادة ماو، بين الشيوعيون بشكل ظاهر على أنهم كانوا أحسن المقاتلين في الحرب الوطنية. بينما كان تشيانغ كاي تشيك يحاول بقدر المستطاع الحفاظ على الأسلحة و الجنود من أجل التي المعارك التي كان يشنها ضد الشيوعيين، إن مقاتلو ماو الذين تحملوا ثلاثة أرباع المعارك ضد اليابانيين بين 1937 و 1945. بالفعل خاضت جيوش ماو 92000 معركة، قتلوا  مليون جندي من العدو و أسروا 150000 سجينا و استولوا على 320000 بندقية و 9000 رشاشا و 600 قطعة من سلاح المدفعية.

8) لقد اهتم ماو شخصيا بتدريب قادة الحزب. خصص وقتا كبيرا لكتابة دروس حول المسائل الفلسفية (الديالكتيك) و العسكرية (مسائل الإستراتيجية و التكتيك) و الاقتصادية و السياسية. بالنسبة إليه ״الحزب الذي يقود حركة ثورية كبيرة لن يعرف قيادتها إلى النصر بدون نظرية ثورية، بدون معارف عن التاريخ، بدون فهم عميق للحركة في واقعها. ״ في سنة 1936، أسس ماو في خونان جامعة كانغتا kangta الشهيرة لقياديَّات و قياديّي الحزب. لقد ألقى بها العديد من المحاضرات. على طول مرحلة سبع سنوات، تدرب بكانغتا 100000 ثوري.

9) كان تشيانغ كاي تشيك مدعوما من القوى الامبريالية الخارجية خصوصا الولايات المتحدة. بعد هزيمة اليابان في نهاية الحرب العالمية سنة 1945، كانت الولايات المتحدة تريد أن يصبح الكيومنتانغ هو المتحكم،و ليس الشيوعيين، في المناطق التي كانت تحتلها اليابان. طالب تشيانغ من المقاتلين بقيادة الشيوعيين بأن لا يقبلوا أي استسلام من طرف اليابانيين و الاستمرار في مطاردتهم. و في هذا الوقت، ساعدت الولايات المتحدة الكيومنتانغ بنقل 500000 من محاربيه بالطائرة و الباخرة الى أماكن إستراتيجية عبر الصين كلها تقريبا. أُرسل 9000 من جنود المارنز الأمريكان ليحتلوا المدن الرئيسية و حماية الموانئ و المطارات و مراكز الاتصال و مناجم الفحم و السكك الحديدية لحساب الكيومنتانغ. و قد درب مستشارون أمريكيون ضباط تشيانغ كاي تشيك، و زودت الولايات المتحدة الكيومنتانغ بأسلحة عصرية و عربات. في أقل من عامين، توصل تشيانغ كاي تشيك بما قدره 1.5 مليون دولار على  شكل تجهيزات و قروض من الولايات المتحدة.

و قد صرح ماو بالتالي:"بما أن تشيانغ كاي تشيك يصقل الآن سيوفه، يجب علينا أن نصقل  سيوفنا كذلك." ("الوضع و سياستنا بعد الانتصار في حرب المقاومة ضد اليابان"، ( غشت 1945، أعمال مختارة، المجلد الرابع).  لقد دعا مقاتليه إلى إقامة قواعد ارتكاز بشكل ممنهج في المجال القروي. و بالإضافة إلى ذلك  أخذ جنوده يتحكمون في 197 مدينة صغيرة. ذهب ماو إلى تشونغكينغ للتفاوض على اتفاق مع تشيانغ يهدف إلى الحفاظ على غالبية المدن المحررة. و لكن هذا الأخير رفض الاعتراف بالحزب الشيوعي و الحكومات التي أقامها في هذه المناطق.  لقد اعتقد تشيانغ على أنه في موقع قوة. بمساعدة الولايات المتحدة، استطاع إعادة احتلال أغلب المدن الكبيرة في شمال الصين. في أواسط عام 1946، أطلق تشيانغ كاي تشيك هجوما جديدا ضد ماو. لقد ابتدأت الحرب الأهلية الثورية. و أعاد ماو تسمية مقاتليه تحت اسم "جيش التحرير الشعبي."

10) من جهة، كانت الولايات المتحدة تريد التحكم في الصين و الاستحواذ على سوقها. من جهة أخرى، كان تشيانغ كاي تشيك لا يأمل أفضل من التمكن من بيع الصين للامبرياليين. لقد رسم بنكيُّو الكيومنتانغ شتى أنواع الخطط التي تهدف إلى استخلاص أكبر الأرباح من استغلال عمل "الحمالة". و بدأ رجال الأعمال الأمريكان بالتوافد على الصين لإبراز"حقهم" لهذه القطعة أو أخرى من البلاد. و لكن لا يمكن لهذه الأحلام الجميلة للرأسماليين أن تتحقق إلا إذا كان الشيوعيين قد انهزموا. هكذا عملت الولايات المتحدة بكل ما في استطاعتها للانقلاب على ماو. ساعد المكتب السابق لوكالة الاستخبارات المركزية (مكتب المصالح الاستراتيجية) تشيانغ على اقامة شرطة سرية مكلفة باعتقال و تصفية الأحرار، كل من تجرأ على التعبير عن رأي ضد الحكومة، نفس الشيء لكل من اشتبه بأنه شيوعي أو "متعاطف".

في عامي 1946 و 1947، كانت هناك العديد من المظاهرات و الانتفاضات ضد الكيومنتانغ و الولايات المتحدة. تبين للجماهير الصينية التهديد الذي يحذق ببلادهم، يُراد تحويلها الى مستعمرة للولايات المتحدة. و لا يوجد ما يرمز الى هذا التهديد الا حضور هاته الجنود المتبجحة التي تعامل الصينيين كأنهم كلاب. كان الناس ينظرون بغيض الى الجنود يأمرون السائقين ب"ادفع-ادفع" بالسير بأكبر سرعة فأكبر، كما لو كانوا حصونا أليفة. و اليوم الذي اغتصب أربعة جنود امرأة صينية شابة على الطريق، اندلعت مظاهرات كبيرة مناهضة لأمريكا في كل الأنحاء.

11) قاد ماو حركة ثورية كبيرة و تاريخية لتغيير علاقات الملكية في البوادي الصينية. على طول أزيد من 1500 سنة، كانت جماهير الفلاحين تقمع بشراسة من طرف طبقة صغيرة   للملاكين العقاريين الاقطاعيين الذين يمتلكون غالبية الأراضي. لقد فهم ماو على أن ملايين الفلاحات و الفلاحين، الذين يشكلون غالبية الشعب الصيني، لن تتحرر مادام لم ُيقلب النظام الاقطاعي. و أكد بالتالي على أن الاصلاح الزراعي شرط لتعبئة الجماهير، و لمساندتها للثورة.  فأطلق النداء:"لننزع جذور الاقطاعية" و "لنأخذ من الأغنياء و نعطي للفقراء". تطورت حركة كبيرة من أجل مصادرة أراضي الملاكين العقاريين و توزيعها بين الفلاحات و الفلاحين.

تم إرسال فرق عمل ثورية إلى كل الأنحاء تقريبا لتنظيم تجمعات الجماهير حيث يحدد الناس الانتماء الطبقي للكل و لكل واحد. بالفعل كانت توزع الأراضي حسب الانتماء الطبقي للعائلات و الأفراد. عندما تحدث أخطاء في هذا المستوى، تعاد العملية من جديد. بعد فترة من عدة سنين، استطاع الفلاحون بأنفسهم في آخر الأمر فهم هذه المسائل، التي هي كيف نحدد ما إذا شخص ما مستغِلا أو مستغَلا؟ و ما هي الطريقة الصحيحة لإعادة توزيع الأراضي ؟

12) هكذا كان يصف ابن فلاح بدون أرض عملية الإصلاح الزراعي كما كانت تجري في القرية:"كنا نهاب الملاكين العقاريين بشدة حتى أننا كنا نتردد في وضع ثقتنا في ضباط الجيش الأحمر عندما كانوا يطلبون منا الشهادة ضدهم و الظلم الذي كنا نلاقيه منهم. و لكن عند الاجتماعات التي كانوا ينظمونها، كان مسؤولو الجيش الأحمر يشرحون بصبر  بأن الفلاحين سيملكون أراضيهم الخاصة، من الآن فصاعدا، و لن يوجد هناك ملاكون عقاريون لقمعهم.  كل هذا كان يبدو جميلا أن يتحقق. كما كنا نرى أشخاصا شائبة شُعورهم يهزون رؤوسهم للتعبير عن شكهم... كان هؤلاء الأشخاص يقولون لنا أن الأمر لا يتعلق إلا بوعود من المحتمل ألا تتحقق أبدا. على كل حال، كان يظهر على أن الملاكين العقاريين كانوا دائما هنا و سيبقون دائما، كيف ما كان هذا الذي سيأخذ السلطة. و لكن، كان هناك كذلك أناس كانوا يرون  أن رجال الجيش الأحمر  أقدظهروا جدية إلى حد ما و أنه من الممكن أن تصبح  أحلامنا أخيرا واقعا.

"ثم، تحقق أخيرا "اجتماع الاتهام " الذائع الصيت الذي طالما سمعنا عنه. كان الملاكون العقاريون يساقون أمام الفلاحين الذين كانوا يقمعونهم طيلة حياتهم، و آبائهم و أجدادهم قبلهم. كما لو كانت نزلت السماء على الأرض، و العكس بالعكس. كل هذا أظهر على أن كل المعاني قد قُلبت. كان الفلاح البسيط يجلس على كرسي الرئاسة، بينما كان يتواجد الملاكون العقاريون و الموظفين السابقين على كرسي المتهمين. هؤلاء، الذين تعودوا النظر إلى الفلاحين من فوق، أصبحت الآن  رؤوسهم واطئة إلى الأرض أمام أولئك الذين كانوا يقمعونهم بقسوة. في هذه اللحظة، فهمنا أن كل ذلك كان حقيقة، أن حياة جديدة ابتدأت بالنسبة لنا."

"الأراضي و الحيوانات، التي كانت في ملكية الملاكين العقاريين، أُعيد توزيعها على الفلاحين. [...] للمرة الأولى في حياتنا، استطعنا أن نأكل بما فيه الكفاية. للمرة الأولى ذهب أولادي إلى المدرسة. بعد ذلك قررت على أنه بمقابل هذه المنافع كان يجب أن أفعل شيئا. سجلت اسمي بمدرسة للكبار لكي أتعلم القراءة و الكتابة و التحقت أخيرا بصفوف الحزب الشيوعي."

13) عند نهاية سنة 1946، الكل اعتقد على أن مقاتلي  ماو يسيرون في عملية انسحاب كلي. لكن كانت تلك إرادة ماو بمغادرة وترك بعض المدن و بعض المناطق، على علم أنهم سيعودون، و لكن هذه المرة بقوة أكبر. كان الجنود،  في غالب الأحيان، يقولون  يظهر أن ماو كان قادرا على أن يصنع بالعدو ما يريد –كأن هذا الأخير يتلقى الأوامر مباشرة من ماو. كما لو كان الكيومنتانغ غير قادر على التحرك خارج الخطط و الحسابات الذكية المدبرة من طرف ماو. كان مقاتلو العدو يُدفعون للتوغل بعمق في المنطقة المعادية، حيث يجدون أنفسهم محاصرين ثم أخيرا مهزومين، "نقطة بنقطة". كان ماو على ثقة بالقدرة على ارجاع المدن المتروكة. فكان جنود الجيش الأحمر يغنون هذه الأغنية:"احتفظوا بالرجال، تضيعون الأراضي. هاته الأخيرة يمكننا استرجاعها بعد ذلك. احتفظوا بالأرض، تضيعون الرجال. و بالتالي تضيعون الاثنين معا."

14) يتذكر يانغ تشانغ-لين، أحد الحراس الشخصيين لماو،   كيف خطط ماو للمعركة:"أحرق العدو بشكل ممنهج جميع القرى القريبة. لم يعد هناك منزل واحد صالحا. من أجل تحطيم عجرفة العدو، عمل قياديونا بكثافة أكثر من أي وقت مضى. لقد كانوا يجتمعون ليل نهار لتحليل و نقاش الوضع. في مثل هذه الأوقات، نادرا ما يخرج القياديون من الكهف، إذ كان المساعدون فقط هم الذين  يدخلون لجلب رسائل الراديو . ثم فجأة، خرج الرئيس ماو بدوره؛ كان يمشي بسرعة، ذهابا و إيابا، غارقا بعمق في أفكاره. يبدو أنه يفكر في أحد المشاكل. و بعد أن توصل برسالة راديو، صرح الرئيس ماو:"لنجدب العدو بعيدا، بعد ذلك سيصبح كل شيء جيدا." حالما قال ذلك، رجع للتو إلى الكهف لمواصلة الاجتماع. في الأيام التي تلت ذلك، نادرا ما استراح قياديونا. في بعض الليالي، كانت المصابيح تبقى مضيئة حتى الفجر. لقد كان واضحا أن الرئيس يخطط لمعركة جديدة تهدف إلى نقل العدو بعيدا. قريبا، كنا سنسمع عن انتصار كبير."

15) في فبراير 1947، أطلق تشيانغ كاي تشيك 230000 جنديا ضد مدينة خونان التي أقام فيها ماو معقله. كان يجب إخلاء المدينة. قاد ماو مقاتليه إلى شمال مقاطعة تشينسي. كان بامكانه الاعتماد على الفلاحين المحليين الذين كانوا يعطونه تقارير حول نشاطات جواسيس الكيومنتانغ. كذلك كان بامكانه الاعتماد على كتمانهم عندما كان عملاء الكيومنتانغ يستجوبونهم. اخترع الفلاحون عبارة « الستة "كثرة" »(les six beaucoup ) لوصف الخصائص الرئيسية لمجموعة ماو: كثرة من الرجال يحملون مسدسات؛ كثرة من الرجال يقودون الأحصنة؛ كثرة من لفيف خيوط الهاتف؛ كثرة من النساء يشتغلون على الراديوهات؛ كثرة من مصابيح الجيب؛ كثرة من الحيوانات‼ لقد رد ماو على هذا المجاز قائلا:"يمكن أن نرى إلى أي حد يملك الناس في البادية قدرة جيدة على التحليل...لكن يجب أن نقول لهم بأن يحتفظوا بالسر.  إذ أنه إذا حصل العدو  على مثل هذه المعلومات، فلا يمكن أن نبقى هنا طويلا".

"إن القوى الكبيرة للحرب لها مصادرها العميقة في الجماهير الشعبية. ، لقد تجرأت اليابان على اهانتنا لأن جماهير الشعب الصيني كانت غير منظمة.  لنتجاوز هذا النقص، حتى يجد المحتل نفسه أمام مئات الملايين من رجال الشعب الصيني ثائرة،مثل الجاموس الوحشي أمام حائط من النار: يكفي أن نصرخ في اتجاهه حتى يرمي بنفسه خوفا في النار و يحترق حيا."(ماوتسي تونغ "حول الحرب الطويلة  الأمد") ماي 1938، الأعمال المختارة، المجلد الثاني

16) لقد تقدم ماو بالنظرية الثورية لمرحلة جديدة. برهنت إستراتيجيته الثورية على قيمتها. كان يتعلق الأمر بقيادة حرب شعبية مؤسسة على التعبئة السياسية للجماهير. هكذا كان يروي الحارس الشخصي لماو كيف كان هذا الأخير يتصرف ليتوحد مع الشعب و يعتمد عليه:"كل مرة نصل فيها الى مكان جديد، كان الرئيس ماو يدعو كوادر القرية الى اجتماع.  في بعض المرات كان يطلب كذلك من كاتب الحزب الشيوعي للمنطقة أي عمل أنجز للتحضير للمعركة. كان يطلب من الناس إخفاء مدخرات الحبوب و إزالة كل ما يمكن أن يفيد العدو.  أياًّ كان المكان الذي نذهب إليه، كان أول شيء يجب القيام به، بعد أن ننزل الحقائب من الأحصنة، هو البدء بعمل الدعاية بين الناس، و التحقيق لنرى كيف يعملون و كيف يعيشون، ما هي مجمع الساكنة، كم كانت من عائلة، كم كان عدد الأراضي التي تزرع و كم كان قدر الضرائب التي يجب على الفلاحين أدائها الخ. ثم كان يجب انجاز التقارير لكل هذه المعلومات. لأن الرئيس ماو يذكرنا دائما على أن هذا العمل أصبح تقريبا روتينيا بالنسبة لنا."

17) أرسل تشيانغ كاي تشيك 50000 رجل لمطاردة ماو. لم يكن جيش التحرير الشعبي يتوفر إلا على 22000 جندي في كل المنطقة. لكن ماو أبان عن حس تكتيكي متألق. لقد نجح ماو في جذب مقاتلي تشيانغ من ورائه، بفضل سلسلة من عمليات التضليل. خلخل رجال ماو مقاتلي الكيومنتانغ بوضع أياديهم على مخابئ أسلحتهم و مخازن معداتهم. التهم جيش التحرير الشعبي تماما مقالتي الكيومنتانغ، قطعةً قطعة، باستنزافهم في مطاردات لا متناهية و بتدويرهم بشكل دائري. تم جذب جنود العدو في فخاخ و وديان حيث تمت محاصرتهم وفصلهم عن باقي المقاتلين. أخيرا، في غشت 1947، تحول جنود ماو إلى الهجوم على مقاتلين مستنزفين و أقل فطانة من ذي قبل، بتكبيدهم خسارة كاملة.

18) في يوليوز 1947، صرح ماو بأن " الشعب هو حائطنا البرونزي"، و أعلن أن الوقت قد حان لنمر من الدفاع الاستراتيجي الى الهجوم الاستراتيجي. كان يعرف على أن مقاتليه هم على لحظة من الظفر بالنصر. في شهر ديسمبر، كانت قوى تشيانغ كاي تشيك معزولة في ممر ضيق بمحاذاة المدن المربوطة بالسكك الحديدية. عندما أخذ جيش التحرير الشعبي بالهجوم و دخل الى هذه المدن، لم يبقى لمقاتلي الكيومنتانغ أي حيلة.

بتاريخ 25 مارس 1949، دخل ماو بكين و استقبلته الجماهير ببهجة، أصبحت بكين عاصمة الصين الجديدة. في الشهور القليلة الآتية، تم إلحاق الهزيمة بنصف مليون من جنود الكيومنتانغ. سقطت نانكين حيث أقام تشيانغ كاي تشيك عاصمته في 27 أبريل. تم رفع العلم الأحمر في مكان علم الكيومنتانغ. في الشهور التي تلت، أخذ جيش التحرير الشعبي مدينة بعد أخرى. بعد أن استطاع الفرار و الاختفاء بعض الوقت، اضطر تشيانغ كاي تشيك إلى الذهاب أخيرا إلى تايوان. و بعد أن أصبح النصر في المتناول، صرح ماو:"ان الثورة الصينية لعمل عظيم، و لكن الطريق بعد الثورة ستصبح أكثر طولا، و العمل أكثر كبرا و أكثر صعوبة...لم نكن جيدين في تحطيم العالم القديم فقط، بل سنكون كذلك جيدين في بناء عالم جديد" ماو تسي تونغ.

19) في فاتح  أكتوبر من سنة 1949،وقف ماو في ساحة تاي آن مين في بكين ، ليعلن عن تأسيس الجمهورية الشعبية للصين. و كان ملايين الأشخاص يسمعونه. يصرح للفلاحين و العمال الذين لم يكن لهم شيء حتى الآن:"أصبح الشعب الصيني واقفا... لن يستطيع أحد احتقارنا بعد الآن..."

20) حصل تشيانغ كاي تشيك على مساندة الولايات المتحدة، أكبر بلد امبريالي. حصل على ما قيمته 5 ملايين دولار من أسلحة و تجهيزات من كل نوع، الذي جعل من جيشه حقا الأكثر تجهيزا الذي لم تعرفه الصين من قبل. لكن هذا الجيش هُزم من طرف جيش فقير و ضئيل، مكون من رجال و نساء و أطفال الذين كانت كل ثروتهم وعيهم الثوري، صلبه ماو و الحزب الشيوعي الصيني. أشعل جيش ماو المعارك بأي سلاح يسقط بين أيديهم تقريبا- أو بالأسلحة التي يستطيعون الاستيلاء عليها من أيدي العدو. كان جنوده فقراء و أميين، لكن الثورة علمتهم القراءة و الكتابة و أعطتهم و عيا طبقيا. كان مقاتلو تشيانغ كاي تشيك مجندين تحت فوهة البندقية و مُرغَمين على القتال ضد مصالحهم الخاصة، بينما كان جيش التحرير الشعبي مكونا من متطوعين  يناضلون من أجل تحررهم.

 

كانت الصين بلدا مليئا بالمتسولين و الجياع. لكن الحزب الشيوعي و الجيش الأحمر فتحا الطريق من أجل أن يقاتل الشعب و يحقق الأمل في عالم جديد. لقد ماو يقول  للناس بأن يأخذوا التاريخ بأيديهم، و قد قادهم إلى النصر. مذ ذاك امتلكت للجماهير الصينية سلطة إعادة بناء و خلق مجتمع جديد.

                                     

  

 

    

            

                    

               

 

 



* هذه السلسلة من خمس حلقات نُشرت في العامل الثوري (أسبوعية الحزب الشيوعي الثوري الأمريكي RCP)، بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد قائد الثورة الصينية. و هي تحكي حياة ماو، منذ ميلاده سنة 1893 حتى تأسيس  الجمهورية الشعبية الصينية في الصين سنة 1949. العنوان من وضعنا نخن.

[1] لينين: مقدمة الترجمة الروسية لرسائل ماركس - كوغلمان.

[2] . ماو وتسي تونغ " الثورة الصينية والحزب الشيوعي الصيني" دجنبر 1949 المؤلفات المختارة المجلد الثاني

[3]  ماو تسي تونغ :"يا قوى العالم الثورية اتحدي لمواجهة العدوان الإمبريالي". نونبر 1948 .المختارات المجلد الخامس.

[4] ماو : :" تقرير عن تحقيقات حول حركة الفلاحين في خونان" المختارات المجلد الأول

[5]  ماو :" تقرير عن تحقيقات حول حركة الفلاحين في خونان" المختارات المجلد الأول.

[6]  ماو تسي تونغ " تصحيح الأفكار الخاطئة في الحزب" دجنير 1929، المختارات المجلد :1.

[7]  ماو تسي تونغ :"أوامر قيادة جيش التحرير الشعبي الصيني العليا بمناسبة الإعلان الجديد لقواعد الإنضباط الكبرى الثلاث و الوصايا الثماني "، أكتوبر 1947، المختارات المجلد الخامس.

 

[8]  ماو تسي تونغ :"قضايا الإستراتيجية في الحرب الثورية في الصين" دجنبر 1936، المختارات المجلد الأول.